.

إليكِ..أندلسِي!

فقط في مدنك يا أندلسِي يستسلم الحاضر للماضي..وينمو الجمال على أهداب الصيرورة..
 وتتداخل أزقتك في قلبي كما تتداخل في بعضها البعض، وترتفع أبواب استثنائية، تندفع منها هيبة الغابة وغموض القصور، رؤيتها دعوة لجسها وجسها دعوة لمعانقتها إذ أن اليد وحدها لا تكفي  للإفصاح عن أسرارها، وهي التي تحمل على عاتقها تاريخ النخلة والتراب، لابد من الروح والقلب ليكشفا عن خباياها ويمسحا وحشتها الأزلية، ودمعة لازالت عالقة على جذوعها اللامرئية..أهي دمعتي أم دمعتها؟ أم أنها لنا نحن الاثنتين..إذا امتزجت الدمعة اختلط الشقاء، ولابد أن تكون هذه الأبواب مثلي، بل هي مثلي منبتها أعجمي  وملامحها عربية منقوشة بأحرف من حسرة يسري صوتها في دمي..ينبهني أن الطبيعة تهب الروح للأشياء، لكنها لا تهبها إلا لمن تذوق طعم المعاناة..  

وما الأمكنة لولا الأبواب!؟ لتحدد معالمها وتفصل ظاهرها عن باطنها، وتكتم ما أودعتها الأيام من أسرار العبد وسيده والمرء وعشيقه، وما الأندلس لولا أبوابها المزركشة، المقوسة، المنتصبة بين مد القرون وجزرها.. تقف في وجه الريح إذاعاثت وتداعبعا إذا لاَنت تأتي وتذهبُ مثل موجة تَتَحسس أثر البحر، والسفن التي اغتربت ولم تعد..

كيف لي أندلسِي أن أبلغ ذاكرتك؟ أآتيك من الأبواب كما آتاك اليوسبين والكلتز والفنيقيون والرومان والقوطيون والعرب والبربر؟ أأقبل من حيث أدبر أجدادي..من أبوابك التي أشرعت نفسها للعدو، كمومس تترنح لأول من يلمس يدها لتهبه مفاتيحها.. وإذا وُطئت الأبوابُ سَلمت البيوت زواياها..أم من أبوابك المحملة بهمين هم الانتصار وهم الاندثار..ومن أين أبلغ أروقة الروح أفي غرناطة أم إشبيلية أم قرطبة أم شاطبة..ما أكثر أسماءك وما أشقاني بها، من أين المدخل وكل أبوابك مخرج وأنا التي مثل من قال فيك يا أندلسِي" أنَّى اتّكأتُ انكسرتُ"*، وأنَّى انعطفتُ انقصفتُ!  

ألمسها فيمتلئ صدري بطقطقة الصنوبر والبلوط البري، ورائحة النارنج المستلقية أشجاره على عتبات القلب، أهي القوة أم الهوان الذي ألهم صناع تلك الأبواب على تركها بعدما أفنوا حياتهم في منحها هيئة جديرة بالحياة..سقط التاريخ شهيدا في آخر معارك الأندلس وحملت الأبواب سره ووزره، كأرملة باذخة الجمال خانها الموت.. لماذا لم نأخذ أبواب غرناطة السبعة، ليتحرر ويعم الخواء بعدنا، و نحمل الزهراء والحمراء والألكزار كما حملنا فخار جحيمنا ثم نستبدل النخيل بالرياح، والبرتقال بشهقة عالقة، ألم تتسع السفن لجنة العريف ووردها، وحي البيازين كيف لم يغدو سرابا بعدما هجره الحمام.. لماذا لم نجرجر نهر كوادا الكبير معنا إلى البحر.. كان علينا أن نحمل ذاكرتنا على أكتافنا ونمضي إلى سماوات النسيان، وأن نمحو أحرف "لا غالب إلا الله"، أن نعيد أسماءنا التي سميناها حتى لا تتعرض لنا في المنعطفات وتتحرش بقلوبنا التي هدها الحنين وأضناها الشوق إليكِ..ولكي نتجنب ما أنا فيه من أسر ووله كان علينا أن نسقط كل تفاصيلك يا أندلسِي فكل صغيرة فيك أندلس بذاتها! 


        
* للشاعر اللبناني شوقي بزيع. 

.

مغتربة سعيدة


الغربة كتاب خط فيه أهل الدين والعلم والأدب والرسم والوتر وما إلى ذلك من أصوات معروفة أو غير معروفة، تركت بَصْمتها الفردية أو الجماعية لفكرة الاغتراب. كما هو معروف الغربة بمفهومها الشامل ليست فقط غربة جسد عن وطن وإنما هي غربة الروح عن العالم المحيط بها. وبالفعل كم من مغترب يعيش في ديار الغربة ومع ذلك لا يجتاحه الشعور بالغربة والعكس صحيح، وإن بحثنا في صفحات هذا الكتاب فإننا سنجد أن مفهوم الغربة قابل لألف تعريف وتعريف، حيث أن لكل شخص تعريفه الخاص للغربة وذلك حسب ما تمليه عليه تجربته. وكل إنسان قابل للغربة في أي لحظة فالكذب مثلا غربة عن النفس والأدوار الكبيرة والصغيرة التي نتقنها كل يوم تحت رقابة المجتمع والتي قد تتنافى مع ذواتنا تعتبر أيضاً غربة، ومن هذا المنطلق قررت أن أكتب ما تعنيه لي الغربة من معانٍ متفاوتة العمق والأهمية. وبالطبع كوني مغتربة في الديار الأوروبية ربما يثقل هذا الإحساس إلا أن هذا الأمر في الواقع يكاد لا يؤثر علي مقارنة بالغربة الإنسانية  والفكرية  والزمنية التي أعيشها..
والتي تتجسد أمامي على شكل لحظات ملموسة استثنائية امتزج فيها منفى الجسد والروح قد أسردها عليكم في محاولة لتحويل الشعور إلى فكرة! 





ولعلي أبدأ من بداية هذا الشعور حيث تقول والدتي أني لم أولد في الموعد الذي كان من المقرر أن أولد فيه..عاشر ماي دقيقتين بعد الثانية ظهرا وصيحة بعد صمت مهيب دام أكثر من تسعة أشهر! ويقول الطبيب أن الأيام الزائدة التي قبعت فيها ساكنة في جوف أمي  وكأن شيئا لم يحدث لن يكون لها وقع كبير على حياتي..أو على الأقل هكذا علمته شهادته الجامعية. تردد أمي مبتسمة "ربما كانت تلك طريقتك لتعلني عداءك للعالم.." الحدث ليس له أي دلالة واقعية إلا أنه يرمز وبقوة إلى الشعور الذي تولد بداخلي بأني ولدت متأخرة، بأيام بحياة بلحظات لا تقاس بالزمن ولا بالمسافة، وحده الإحساس جدير بتحديد مدى عمق غربتي، وتوهج ثوراتي الداخلية.. 


حقيقة لا أظنه عداء بقدر ما هي مسافة فاصلة بين الروح وما يحيطها، وبكلمة أخرى اغتراب يتعمق مع التقدم في السن، وقد يتوقف هذا التعمق أثناء مرحلة معينة من العمر نستوعب فيها أن العالم ليس بتلك الرومانسية التي نظن، ونتقبل ذاك التناقض الذي يشكل الإنسان، وتناقض بين ما تعلمناه أثناء فترة مبكرة من العمر من معان سامية -أقول عنها الآن رومانسية- ومواقف بطولية، وما يشهده وعيه بعد تلك الحقبة من واقع رديء وأحيانا وحشي لا يمت  لتطلعاته ونظرته لهذا الواقع بصلة..
وحدها هذه المسافة تخلق شغف البحث في ماهية الأشياء ومنها تنهمر الأسئلة الوجودية الفلسفية..

يقول جبران خليل جبران أن "كل ما في الوجود كائن في باطنك، وكل ما في باطنك موجود في الوجود"  وقد أؤمن بهذه الفكرة التي تعتبر حبل الوريد الذي يربط الفرد بالأشياء التي حوله، ولكي يفهم المرء البحر عليه أن يفهم قطرة الماء..ولكي أفهم العالم علي أن أفهم نفسي أن أراني جزءا من منه وليس غريبة عنه ! الشيء الذي فشلت في استيعابه وتقبله، حيث أن جل ما يحيط بي لا يمثلني! ولا أظنه يمثل الإنسان، وقد أمسى من المستحيلات أن أتعرف على نقطة الماء من خلال النظر إلى بحر ملوث، يكفي أن نلاحظ أنه في زماننا هذا كل شيء ميسر ومسير لتهجير الإنسان بعيدا عن فطرته ووعيه وعمقه نحو سطحية هالكة، لن أخوض هنا حربي على مؤامرة النظام العالمي لكني أتساءل كيف يمكنني أن أستسلم لفكرة جبران وأن لا أشعر بالغربة اتجاه واقعنا..وأن أصدق أن كل ما يملأ هذا العالم من دمار "كائن في باطني"، كيف يتحول الإنسان إلى حيوان مفترس يرى في القتل ضرورة وفي الحياة عبثا.. فقد يكون في الشعور بالغربة جوابا ومبررا ووسيلة يدافع بها العقل عن نفسه وهي أن هذا العالم الذي أغترب عنه ليس أنا وإنما شيء مني! قد يرى بعضكم أنها استسلام أو حتى هروب من المواجهة لكني أرى فيها عكس كل ذلك، لأن النفس ترفض الرضوخ لقتامة الواقع فتنزوي مغتربة عنه حيث الثقة والأمل بالإنسانية لازالا يشعان رغم كل شيء.. 

قد تبدو فكرة اغتراب الروح سلبية، تدعو إلى شتات باطني إلا أنها في الحقيقة أكثر إيجابية مما نتصور وأول هذه الإيجابيات كما ذكرت هي حث النفس على البحث والتفكير، وبالنسبة لي قد تشكل ميزة الأشخاص وتحررهم، ما يعارض فكرة المجتمع المنسجم تحت سلطة الدوغما المهيمنة، وغالبا ما يكون من ننعت "بالغريب" وغريب الأطوار" في المجتمع ليس إلا المبدع الذي يفكر خارج الصندوق. ثم إني لا أحصر معنى الغربة في تعريفها البسيط "الابتعاد عن الأصل" لأنها بالنسبة لي كانت بدون شك سبب عودتي إلى الأصل وإن بدا الأمر متناقضا إلا أني ما كنت سأعرف قدر تلك الأصول -المادية والفكرية- لولا ابتعادي والشعور "بخسارة" شيء ما، هذه الكلمة التي لا يتقبلها عقل الإنسان ونادرا ما يستوعبها وتحث وبشكل غير مسبوق على البحث والعودة إلى تلك الأصول "المفقودة". ولأجل هذا وذاك أرى في الغربة الرجوع إلى كل ما يفتقده المجتمع من إنسانية، أرى فيها الرجوع إلى الذات..والله وحده يعلم كم نحن محتاجون إلى ذلك..
 بعض المفكرين يرون في الغربة ذلك المكان "الفارغ" الذي يخلو من كل دلالة تأسيسية.. والفراغ في ثقافتنا شيء سلبي، هو ما يجب محاربته بجميع طرق التسلية أو "المتعة" كما يسميها الفيلسوف الفرنسي باسكال بليز الذي يقول بأن الإنسان يتهرب من الفراغ حتى لا يفكر في ماهيته وأنه يخترع لنفسه ملاه سطحية ينشغل بها عما في عمقه. ولذا أرى في الغربة ذلك الفراغ المكون للذات..حيث أن تكوين ذات  ممتلئة بنفسها ليس إلا محاولة فاشلة لملئ شيء ممتلئ..

أنهي تدوينتي هذه بجملة صديق لم أفهم معناها إلا بعد حين، "أنا سعيد بكآبتي" لعلي أقول مثله أنا سعيدة بغربتي.. فإن من يراها مرضا نفسيا يجب أن يعالج منه، يجهل كيف يحول البذرة إلى وردة.  


.

ورود ذابلة


على شفير ذاكرتي المأججة أعبر جسور سان ميشال المكتظة، تمر أمامي وجوه ملونة يكتسيها برود معد..

أتخذ مكانا قصيا في دواخلي، أؤثث خلوتي بما يشتهي عمقي.. وللحظة أكتفي بعينيك الملونتين، وحبة البن المزهرة بين شفتيك، أكرر ذات الخطيئة كل يوم، تتمدى الروح على حروفك المشتهاة، يسكنني الفرح كلما رأيتني أتربع على عرش قصائدك أراني في تلك القصيدة عاشقة، وفي هذه كارهة، أراني هنا وهناك..

 بين الوهم والحقيقة..بين الصمت والمعنى أُكتب بماء الزهر تارة وبدمع القلب تارة أخرى ..
آمرني أن أغادرك إلى منفى أبدي ثم أُعلنني ميتة المعاني، مغيبة عن كل شيء..إلا عن جِنانك التي ينساب منها فيض آخر الليل..أتخذ عتمته سترا فتنثرني فراغا وشرودا، تقودني إلى عمق المأساة..إلى بعض من أحلامي المستحيلة.. إلى بنفسج يانع في صدري مترع بتناقضات تعبرني كقطار يجهل وجهته، أعيد تسمية الأشياء، أهبها روحا جديدة خالية من شوائب الوجود ورغم ذلك يداهمني قلق أبدي وسيل جارف من تساؤلات غامضة تكاد تمحو الرضا الذي تحمله ملامحي، كيف نحمي الكلمات من شعلة اللفظ ؟! كيف تصبح الريح خرساء عندما نعلمها الأسماء كلها..كيف ينجو صفاء المعنى من عبث المبالغة.. وكيف لي أن أعود ما كنت قبل أن تكتبني.. تنتشلني الأضواء الخافتة من نفسي، أرى الأشياء من حولي فقدت هيبتها، إلا أنها هي ذاتها في تكرار ممل يبعث على الغثيان، السماء غَيومَة تسح حنينا رماديا، تدعو لشجن خفي، وعزلة موحشة، تتدفق مني كدمعة عتيقة..
وفي مكانها المعتاد طاسة الشحاذ فارغة من كل شيء إلا من ضمائر المارة تارة، ومن شتائمهم تارة أخرى..باقات الورد في المقاهي تلقي بأفكارها إلى قاع المزهرية، تنثر من حولها رائحة صيف حالم غير مكترث بضيق المكان والزمان اللذين لا يتسعان لدفء القبلات ولا لعنفوان الصبي..في غياب العشاق يشيخ الورد ويذبل..
وتظل في النفس أسئلة ملحاحة كلما أدركها الجواب تحولت إلى هذيان مبهم غارق في يم الاستحالة.. أخطو في تعاطف منسجم بيني وبين رعشة مطر صوته نايات تتأوه، وازدواجية قمر متمرد في دمي، قابع بين عيني يستبد بهما كلما عانده بريق الشعر..وعاد إلى الطفولة لكي يطارد فراشات بلل المطر أجنحتها.. أي بوح هذا الذي يقتات بالنسيان وحفنة ذاكرة مشروخة، يستدعي من القيود بقدر ما يستدعي من التحرر..ومن الهروب بقدر ما يفعل من العودة ألأنه ثمة حياة بقدر ما هنالك موت.. أم أنني بعدما أعلنت عصيان قلبي، بت عاجزة عن ترتيب روحي المشبعة بالتناقضات..أضع الورود اليابسة في كتاب ثم أغلقه للأبد لأمضي حيث يخبأ الورد بلا خوف من غد قد ينبت فيه شوكا، حيث لا يسأل الحرف عن انحناءاته البريئة التي تلامس الروح، ولا تشقى الأنفس بمن كان يوما مصدر بهجتها.. حيث تكون الحياة بعُمري ولا يمر الزمان سريعا عندما أستريح تحت عناقيد العنب..
هناك حيث تحرسني بارقة أمل تمتد في روحي من مطلع العمر حتى مغيبه.. يتبدد المشهد الضبابي أمام البوح الذي نفخ في صدري نارا يزيد لهيبها الصمت والزمن..وما إن تفوهت بالحروف حتى انطفئ على قلبي بردا وسلاما. وما كانت لحظتي هذه سوى لحظة صفاء رمادية، تكون فيها العينان مثقلتان بالنعاس تحملك على أكف غيمة نحو غد متوهج بالألوان..إنها العودة إلى فطرة الأشياء إلى الفكرة الأولى، إلى وجود نابض بالحياة إلى فردانية الشيء..وطفولة النفس..إلى ذلك العالم الذي لا يعترف بأحكام مسبقة وأفكار معلبة تفرض على الوجود وتجعله يعاود الاختفاء في نظرتنا..وفي لحظة غير منتظرة يصبح فيها الشرود حق، تباغتك العلامات كعرس من ألوان.. تهيم ويهيم ناظريك.. تومئ لك معنىً ولا تحدده.. وكأنها تقول لولا لوعة الفراق لما عرفت الحب..ولولا دفاعك الشرس عن الحياة لما كنت استثنائيا
.

مهرجان كان للسينما يكرم المرأة السعودية ..





فازت المخرجة السعودية هيفاء المنصور بجائزة  صناع الأفلام الجدد بمهرجان كان السينمائي عن فيلمها "وجدة" والذي لقي نجاحا باهرا في فرنسا وفي جميع أنحاء العالم وحصد جوائز عدة منها أفضل فيلم عربي بمهرجان دبي السينمائي..

هيفاء منصور مذيعة ومخرجة سعودية غنية عن التعريف، تسلط الضوء هذه المرة على نظرة المجتمع السعودي إلى المرأة السعودية، بقصة تبدو للوهلة الأولى بسيطة لطفلة مليئة بالحياة تبلغ من العمر 11 عاما، صار أكبر همها اقتناء دراجة هوائية.. غير آبهة بالمجتمع التقليدي الذي تربت فيه وبحزمة المحظورات التي تحيطها من كل صوب وحدب والتي تشكل حدا لطموحها وتضع سقفا لأحلامها..إلى جانب كونه أول فيلم يصور كاملا في الرياض  بالسعودية، وأول تجربة للمخرجة في مجال الأفلام الروائية القصيرة وأول  فيلم سعودي يحصل على جائزة كان للسينما.."وجدة" أول فيلم عربي أشاهده باللغة العربية في صالات السينما الباريسية، لن أطيل في وصف سعادتي وأنا أشاهده،  لكني ربما أسلط  الضوء على تعاطفي مع الطفلة السعودية التي تجسد في الفيلم المرأة السعودية المحاصرة بنظرة المجتمع القاسية، الجارحة لكل امرأة تصارع لأجل تحقيق حلمها..

الجميل في الفيلم هو أن القصة تبدو بسيطة، عفوية تتعاقب أحداثها حول حياة وجدة المتمردة على الأعراف ووالدتها الخاضعة والمسيطر عليها من قبل زوجها وعائلته، وحياتها المرهونة بيد سائق  يمثل الطبقة الكادحة في الرياض بكل ما تحمله القصة من فوارق اقتصادية واجتماعية، بدون أن أنسى المعلمة التي تلعب دور الرقيب..نساء يظهرن وجها يتوافق مع ما يطلبه المجتمع ويضمرن ما يمكن أن يودي بحياتهن. حقيقة القصة ذات أبعاد إنسانية أعمق بكثير مما تبدو عليه حيث تعتبر تشريحا وتحليلا للنسيج الإجتماعي السعودي الذي لا يخلو من التناقضات والصراعات المحسوم أمرها مسبقا لصالح المجتمع الذكوري..كما أن الفيلم نقذ ذكي لكل تلك التقاليد التي تعج بها مجتمعاتنا العربية بشكل عام والتي بدت للمجتمع الفرنسي رجعية وبدت لي محزنة  بعيدة كل البعد في معظم الأحيان عن الدين الذي يسنون القوانين باسمه! 

هيفاء المنصور أبدعت بتقديم فيلم سعودي حقيقي بعيد عن "التلفيق والتصنع" كما تقول، قدمت فيه الحلول للمرأة السعودية وهي حلول واقعية أسسها العمل الدؤوب والإيمان بالحلم مهما بدى "مستحيلا"، والنضال من أجل الطموح وعدم السماح لأي كان  بتحديد طريقها ثم اتباعها له دون إرادة، مستسلمة لكل العوائق التي تصادفها. حلول تبدو مثالية إن طبقت لابد وأن تثمر، كما طبقتها "وجدة" فتسابقت مع ابن الجيران على دراجتها الهوائية وسبقته في آخر المطاف، تماماً كما سبقت هيفاء المنصور الرجل السعودي فحصدت جوائز عالمية ورفعت بذلك علم بلدها  في عالم السينما..السينما التي تكرم فردا من بلد تنعدم فيه صالات السينما ! 

لن أحتاج إذا لأوضح لكم مدى إعجابي بالفيلم، الشيء الذي لن يمنعني من قول أن هيفاء المنصور أضاءت الجانب الاجتماعي المعقد لوضع المرأة السعودية، ولكنها أهملت بعضا من الجانب السياسي الذي يملك مفاتيح لا تقل أهمية..
.

تحت شعار..سوريا في القلب!


نظم معهد العالم العربي بباريس يوما للتضامن مع الشعب السوري، حضره العديد من الشخصيات الثقافية والسياسية، السورية والفرنسية مثل الوزيرين السابقين جاك لانغ (رئيس المعهد) وجاك راليت، والرسام السوري علي فرزات، المصور عمار عبد ربو، ومنذر ماخوس سفير سوريا في فرنسا، والقائمة تطول..خلال هذا اللقاء أقيمت فعاليات ونشاطات فنية وفكرية وأدبية تناولت الثورة السورية بأبعاد مختلفة، كما تضمنت ندوات عن ماضي وحاضر وخصوصا مستقبل سوريا..

لن أدخل في التفاصيل التي خاضها المتحدثون كل في مجاله..وذلك لأن العالم كله يعرفها ولا يخفى على أحد عدد الأموات ولا حجم الدمار الذي ألم بسوريا خلال الأشهر الماضية..لكني وكما العادة سأكتفي برأيي المتواضع  بخصوص بعض النقاط التي وددت لو أنها كانت مختلفة! 

وفي الوقت الذي كان فيه الصحافي الفرنسي كريستوف عياد، الذي قال أنه عاد من داخل سوريا من أسبوعين يطمئن الحضور عن نسبة السلفيين الهزيلة، الموجودة بين صفوف الجيش الحر كانت سوريا تقصف  بالسكود!  وكانت "دمشق تقصف حلب"، وفي نفس الوقت الذي كانوا يتساءلون فيه عن ما بعد سقوط الأسد، وعن قدرة وعدم قدرة الشعب السوري على بناء دولة مدنية ذات مؤسسات ديموقراطية، كانت منازل حلب تسقط على ساكنيها مثلما تسقط قصور من ورق! لست أدري هل أنا متشائمة أكثر من اللازم أم أني محدودة الأفق..لكني وددت لو أنهم توقفوا عن الحديث عن سورية بعد الأسد وكل ما نشاهده يوميا هو تدمير سوريا وبقاء الأسد! خصوصا في هذه الآونة..سوريا لا تريد أن تنقضوا عليها كذئاب مفترسة بعد سقوط النظام ، إنها تريد مساعدتكم الآن وهي تحت المطرقة! يال حرقة الشعب السوري، خرج ليسقط النظام فسقطت العروبة، والأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان، والدول الصديقة، والدول المجاورة..سقط الإنسان..بقي شيء واحد لم يسقط..إنه النظام البعثي! من يدري  ربما يجب أن يسقط العالم بأسره ليسقط بشار!

أنهى هذا الأخير كلمته برسالة كتبها المصور الفرنسي أوليفيي فوازان لزوجته قبل أن يموت في حلب، تضمنت يومياته القاسية داخل الأراضي السورية المحررة، وكيف أن الجيش الحر عامله باحترام..
المهم "ترحم" الصحفي على روح ابن جلدته ونسي  كما فعل الجميع الترحم على الشهداء السوريون الأبرار. في نفس المساء أعرب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند على القنوات الفرنسية أسفه لموت المصور متناسيا هو الآخر آلاف الشهداء السوريين! على كل سوريا ما عادت تذكر إلا عندما يموت فيها أجنبي! وكما قال أحد المتحدثين عندما دخلت من سوريا سألني الناس "يبدو أن الأوضاع خفت واستقرت هناك!؟" فيجيبهم قائلا ومن قال لكم ذلك فيجيبونه "لأننا ما عدنا نسمع عن سوريا في النشرات الإخبارية" !! في الحقيقة لست متفاجئة من أسئلة جاهلة  كهذه، فالقنوات الفرنسية استبدلت الملف السوري بالملف المالي وباتت الأنظار كلها متجهة إلى هناك نحو المصلحة! وإذا حصلت معجزة وتناولت وسائل الإعلام الملف السوري سلطت الضوء على الأقليات وتناست الأكثرية الإسلامية..وكأن همهم الوحيد هو طمس كلمة إسلامي ! وحتما ستكون الكارثة أكبر وأضخم بالنسبة لهم لو انضمت سوريا إلى قائمة الدول التي أبرز ربيعها العربي إسلاميين لاطالما عمل الجميع يدا في يد على إخفائهم !  

ربما كان يلزمني حضور هذا اليوم لأفهم ماذا كان ذلك الصديق العزيز يعني بقوله:" لا تحاولي إقناعي بالعمل لأجل الثورة من داخل البلد الذي أقيم فيه ! فمهما عملت وفعلت لن يساوي ذلك مثقال ذرة ما يمكنني أن أفعله وأقدمه للثورة السورية وأنا داخل أراضيها"! 
بالطبع لست أستخف هنا بعمل من هم خارج سوريا، فدورهم مهم جدا في نجاح الثورة، مع ذلك لا يمكننا المقارنة بين هذا وذاك..كما لا يمكننا المقارنة بين رجل يخوض المعارك في قلب الحدث، في الواجهة دائما، مضحيا بكل ما لديه لأجل تحرير البلد، وكانت أقرب  الأمنيات إلى قلبه هي الاستشهاد فداء للوطن..وبين كل من كان حاضرا البارحة في بناية المعهد العربي بباريس الدافئ يعطي تصريحات للصحافة العربية عن معاناة الشعب السوري..شتان بين هذا وذاك ! وشتان بين ثائرين في قلب الثورة وثائرين -إذا صح لنا تسميتهم كذلك- خارج الثورة ! كان شعار هذا الملتقى هو "سوريا في القلب" كنت أتساءل فقط وماذا تفعل سوريا بمن تسكن قلبه ولا يحرك ساكنا لأجلها!؟ غير تصريحات وإيماءات لا تغني ولا تسمن من جوع! تماماً كما فعل ولا زال يفعل الجميع ! 
.

خزائن المشرق في باريس!



وأخيرا جاءت فرصة زيارة الجناح الإسلامي في متحف اللوفر في باريس..يعتبر هذا الجناح آخر مكاسب المتحف حيث افتتحه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند وعدد من الشخصيات وأمراء العالم العربي في شهر سبتمبر الماضي، بعد عمل دقيق دام عشر سنوات. أتذكر حينها أن الافتتاح لقي رواجا إعلاميا عربيا وفرنسيا حثني على ضرورة زيارته.


لن أكتب هنا معلومات لوجيستية ولا تاريخية عن المتحف والجناح..لأن ويكيبيديا يقوم بذلك أفضل مني، إلا أني سأنقل لكم بعضا مما اختلج ذاتي وأنا هناك .. 


أول ما يشد انتباهك في الجناح هو سقفه العجيب المبني على شكل بساط ريح عالق في السماء، ويرمز هذا البساط إلى الزي الإسلامي الذي ترتديه المرأة ..فكرة معمارية مبدعة أظنها كانت تحديا حقيقيا للمهندسين الفرنسي والإيطالي، حيث أننا لا نكاد نرى ركائز  لهذا السقف، درجة الظن أن الهواء يحمله حقا. عند المدخل  لافتة تحمل كلمة شكر للشركات المساهمة في بناء الجناح، والأمراء العرب  والملوك الذين قدموا أموالا لا يستهان بها في إنجاز هذا المشروع ومنهم الأمير الوليد ابن طلال وملك المغرب وأمير الكويت وسلطان عمان..

يضم الجناح مجموعة غنية تزيد عن 15 ألف قطعة، أضيفت إليها 3500 من الأعمال القيمة التي عرضها متحف الفنون الزخرفية المجاور، جمال لا يضاهيه جمال..تميز وإبداع لفت نظر الزائرين درجة أن الإندهاش بدى واضحا عليهم مرددين "وااااو" ...حينها وددت لو أني أخذت مكروفونا وقلت بصوت عال أرأيتم ماذا كنا نصنع  بالزجاج والفخار والنحاس والمواد الأخرى من أعمال فنية مدهشة حين كنتم أنتم لا تعرفون شيئا عن هذه المواد.. كنت أريد أن أقول أرأيتم أين كنا وأين كنتم !؟ سرعان ما وضعت حدا لتلك الثرثرة الغير المجدية، عندما فكرت في جوابهم المحتمل والمشروع..وهل رأيت أين نحن الآن وأين أنتم! أكملت زيارتي وأنا شبه صامة! 

سوريا وسوريا وسوريا وأيضا سوريا..يحتوي الجناح على كمية مذهلة من الآثار الفنية والتاريخية السورية..وبالطبع لست أنا من سيعرفكم عن جمال وروعة تلك التحف الفنية..لكني تساءلت هل تركوا شيئا لسوريا أم أنهم نهبوا كل شيء ذو قيمة هناك، وجاؤوا به إلى بلاد الإفرنج ليستقطبوا به ملايين السياح..حسمت الأمر بفكرة أن سوريا غنية جدا تاريخيا وفنيا وأن ما رأيته هنا لم يكن إلا جزءا صغيرا وأن الأعظم هناك..يا ويلي ماذا أقول!؟ لقد دمر بشار كل شيء جميل في سوريا! وهو يكاد يخربها " زنقة زنقة دار دار " كما قال شبيهه الليبي..وبعد هذه الصفعة الباردة وودت لو أن دمشق كلها كانت في متحف اللوفر وأن الفرنسيين تمكنوا من تهريب المدينة كلها من نيرونها..لعلهم يعتنون بها أفضل منا...فكرة شدتني خلقت فيّ تناقضا رهيبا..أثارنا وتحفنا وحضارتنا بدت أجمل عندهم!؟ لا سر في الموضوع كل ما هناك هو أنهم يعتنون بها أفضل منا! وخير دليل على ذلك مدننا العربية العريقة وآثارها التي غالبا ما تهملها الحكومات بل ولا تعيرها أي اهتمام ولطالما حمدت الله على أن الأندلس في اسبانيا وليست في أي دولة عربية! وإلا كنا لحقنا على صدى صرخة بني الأحمر عند خروجهم منها ولا شيء غير ذلك!  
 
 12 قرنا من تاريخ الفن الشرقي الإسلامي من المغرب إلى الهند..لعب  دورا مهما في نشأة وتطور الحضارة الغربية فنا وعلما..خصوصا وأن الفن الإسلامي ميزته اختلاف الثقافات، فالعمل الفني هندي مثلا لا يشبه بالضرورة العمل الفني الأندلسي وهكذا دواليك..هذا الفن الذي يشكل فسيفساء مبهرة بتنوعها الإبداعي.. وأكثر العقبات إبداعا وإثمارا تلك التي كان فيها التعايش يسود بيننا وبين الديانات الأخرى..ليتنا نستثمر هذا الإختلاف والتنوع في مجالات أخرى اقتصادية اجتماعية وسياسية، عوض استغلاله لإشعال الفتن بين الطوائف والدول..وطبقنا على أنفسنا مقولة "فرق تسد" والكارثة هي أننا نفرق أنفسنا ليسود الآخر!! 

ربما يتساءل البعض عن تعلقي بضرورة إنشاء متاحف في دولنا الإسلامية!؟..لأنها وبكل بساطة تساهم في توعية الشعوب، ومن فهم تاريخها لمعرفة مكامن القوة والضعف أمته، لتنطلق نحو المستقبل بخبرة لها قرون ربما تمنعها من التعثر في مسار تعثر فيه تاريخنا. لست أبكي على الأطلال..فما مات  لا طريقة لإحيائه إلا بخلق تطور وازدهار يضاهيه بل ويتفوق عليه..ولا تنقصنا العقول ولا الموارد! كل ما ينقصنا هو الإرادة والإتحاد! 
أكملت زيارتي وأنا كما العادة محملة بهم أمة وأمل خروجها منه! متجهة نحو حضارات أخرى المصرية القديمة والقبطية والغربية..ألقيت تحية سريعة على موناليزا ليوناردو  دي فينشيي سيدة اللوفر الغامضة.. سيدة تربك العالم بنظرتها ويتكدس حولها ثمانية ملايين زائر سنويا..
نجد في اللوفر كل ما يتعلق بملوك قد خلوا وحضارات اندثرت..فيه كل ما يتخيل المرء من أوان ومجوهرات وأعمال فنية وملابس وحتى شواهد قبور وقبور كانت موجودة ومنها ما يعود إلى عصر الفراعنة.. شيء واحد لم ألاحظه هنا : الكرسي! لم أرى كرسيا واحدا لحاكم قد خلا..والله أعلم أن الكراسي التي كانوا يجلسون عليها كانت ولازالت أغلى ما يملكون! وكأن المتحف يقول الكراسي زائلة، ويكفي التاريخ ما لحقه من أضرار من وراءها  حتى يحتفظ بها. 
.

للمميزين أكتب!


وبما أن "المميزين" لا وقت لديهم، لن أهدر وقتك، سأدخل في الموضوع مباشرة! دون أن أستهلك بطارية هاتفي وبطارية جهازك! ولذلك سأكون صريحة فالصراحة أسرع من الكذب!وسأسألك -ربما بكل وقاحة- هل وقفت يوما أمام المرآة وتساءلت ما الذي يجعلك مميزا؟ 
ما الذي خصك الله به ولم يهبه لشخص آخر غيرك..؟! وبطبيعة الحال، جوابك جاهز منذ قرون..

-أنا مميز لأنه من بين السبعة ملايير فرد الموجودين على الكرة الأرضية لا أحد مثلي، وإن تواجد شبه بيني وبين آخر فإنه يبقى نسبة معينة ولن تصل أبدا للكمال!

-إذا كانت هذه ميزتك فأنصحك أن تراجع مرآتك بل وأن تكسرها لعلك ترى في أجزائها ما لم تره في كمالها لأننا كلنا -السبعة ملايير- مثلك !!

التميز يا عزيزي المتميز لا يعترف بأبجدية المكان والزمان..ومتميز القرن الرابع عشر إذا خرج في القرن الواحد والعشرين سيفرض نفسه بنفس القوة التي فرض بها نفسه في عصره..وهذا هو الأصح..أما في عصرنا هذا فقد تحول التميز إلى كل ما هو مادي..
بالتالي أصبح التميز هو أن تملك آخر آيفون وأن تركب آخر سيارة مصممة خصيصا لك  وأن تبدع بآخر كانون وووو!! لكن بالله عليك أيملك عقلا من يملك آخر كانون ولا يبدع!! لذلك الإبداع ليس فيما تملك لكن فيما لا تملك ونظرتك للأشياء وحدها تحدد بل وتخلق إبداعاتك..

عزيزي المميز أجمل وأرقى وأغلى..الأشياء التي تميزنا لا تشترى! وهي غير قابلة للصق والغش! هي أشياء بداخلك مبعوثة من خالقك الذي نفخ فيك الروح..إنها إذا نابعة من روحك..ولذلك ولله الحمد التميز والإبداع لا يقتصران على الغني فقط عكس ما يظنه البعض بل إن أجمل الأزهار تلك التي تزهر من العدم وسط صحراء قاحلة معلنة تحديها للمستحيل..وأرقى المتميزين هم أولائك الذين شيدوا بأيديهم حجر أساس إمبراطورياتهم.. لذلك إن كنت ترى أن ما يميزك هو شيء خارج عنك فأنت لست مميزا بل تدعي ذلك..وإن كان هذا الشيء ساهم في تميزك لكنه لم يخلقه! راجع مرآتك واسألها عما لا تراه الأعين..

حسنا، حسنا.. تسألني وأنتِ هل راجعت مرآتكِ يوما ؟! :) وسأجيبك.. 

-أما أنا فلا مرآة عندي..فقد سمعتها يوما تتآمر  علي هي ومظهري..فقررت الاستغناء عنها..واحتفظت بمظهري لكي أتآمر معه عليكم :) 
.