.

حلم مها

مها طفلة صغيرة تدخل عامها الثامن ذات ابتسامة خجولة و نظرة بريئة، عيونها الخضراء عنوان الصفاء .
تتأمل بلهفة الثوب الذي اشتراه لها والدها قبل أيام بمناسبة العيد ... ثم تلقي نظرة شوق نحو محفظتها الوردية و هي لا تكاد تصدق أن والدها سمح لها و أخيرا بالذهاب إلى المدرسة ... تتخيل نفسها ذاهبة مع أبناء قريتها.... فترسم  على وجهها ملامح السعادة، مستعجلة تلك اللحظات تسرع إلى النوم لعل صياح الديك الذي لم تكن تهتم به من قبل، يأتي قبل الساعة ...
في قرية صغيرة تسكن مها  مع والديها وأخواتها الخمس في شمال شرق المغرب، التي تستعد كباقي القرى والمدن المغربية للدخول المدرسي الذي تزامن هذه السنة مع نهاية الشهر الكريم و عيد الفطر المبارك ..
إنه حقا شهر الفرح والسرور تقول مها ... عيد و دخول مدرسي في نفس الوقت ، طفولتها البريئة منعتها من ملاحظة المعضلة المادية  التي تسببها هذه الصدفة لوالدها ...
في الواقع مها لم تعلم أن هذه الصدفة حرمتها من أقلام ملونة ... ودفتر للحساب وآخر للكتابة، بل حرمتها حتى من قلم رصاص ..فبالكاد استطاع والدها اقتناء قلم أزرق و دفترلكل المواد  ذو مئة صفحة يأمل أن ينهي السنة الدراسية !
إنه حقا شهر متعب ماديا.... كان يقول الأب ، مما تطلبه من مصروفات خارقة للعادة منها ملابس الاطفال .. بعض الحلويات التي حضرتها الأم واللوازم المدرسية ... فمدخوله الذي يحصل عليه حمالا بإحذى مطاحن المدينة القريبة ، كان بالكاد يسدد حاجاته اليومية ، وسيجارته التي تشعره باسترخاء مؤقت وهو يفكر بهذا الموضوع ...
في اليوم التالي استيقظت مها ساعتين ونصف قبل موعد الدخول إلى الصف ، ارتدت ملابسها .. و حملت محفظتها متجهة مع أخيها الذي يكبرها بسنتين و بعض من أبناء قريتها نحو المدرسة . كانت فرحتها و حماسها يدفعانها إلى الثرثرة مع الأخرين  عن ذلك اليوم الجميل ..فتجادلوا عن أجمل ثوب ، و عن من يملك أقلام ملونة ، عن حماسها للقراءة و الحساب كي تصبح مثل إبنة عمها التي تقطن بالمدينة .... نفذت المواضيع والطريق إلى المدرسة لم ينفذ . بعد ساعة و نصف من المشي أحست بالإرهاق ، فجسمها النحيف لم يتحمل كل تلك المسافة الوعرة التي زادها الحر تعقيدا و صعوبة .
بعد ساعتين من طريق شاق  وصلت مها إلى مدرستها لكنها شاردة العقل فالتعب نال منها، حتى أنها بدأت تحس بالجوع  والعطش... فتحول حماسها إلى إحباط،  كلما فكرت بطريق العودة.. يغمرها خوف عندما تتذكر أن أخاها لن يشاطرها الطريق كل يوم فهو يفضل رعي بعض أغنام القرى المجاورة على الجلوس على مقاعد الصفوف ..فتتخيل كيف سيكون حالها في فصل الشتاء و الثلوج تكسي الطريق ... وكيف ستعبر ذلك الوادي الذي يسبب فيضانات تجعل العبور إلى الضفة الاخرى مستحيلة بالنسبة لها .. بدون أن تنسى اليوم الذي تصادف فيه كلبا ضالا فيصبح مصيرها بين أسنانه ..
تفكر ... ثم تفكر ..فتنسى حصتها الأولى التي فاتتها رغم جلوسها في الصف ؛ فكانت الخلاصة أن مها لم تستوعب شيئا هذا اليوم ، غير بضع كلمات نطق بها المدرس لم تفهمها لعدم تركيزها..
انتهى الدرس و عادت مها إلى بيتها، قاطعة نفس المسافة الشاقة .. و لم تكد تصل الغرفة حتى ألقت بمحفظتها الوردية و خلدت إلى نوم عميق دون أن تراجع ما طلبه المدرس ... وكابوس الطريق التي تنتظرها غداتؤرق مضجعها و التي تحضر لها أياما روتينية عسيرة .
.

2 التعليقات:

أبو حسام الدين يقول...

أحسنت لطيفة، كثيرات وكثيرون من يعيشون هذه المحن، حتى أن البعض منهم آثر الإنفصال عن الدراسة.
قصة جديرة بالتأمل لأنها واقع تعيشه فئة مغربية تسكن القرى الجبلية سواءا في الشمال الشرقي أو الجنوب كذلك.
شكرا لكِ.

sarah saad يقول...

شركة نقل اثاث بالدمام التفاؤل شركة نقل اثاث بالخبر كما انها افضل شركة نقل اثاث بالجبيل نقل عفش واثاث بالجبيل والخبر والقطيف والدمام
شركة نقل اثاث بالدمام
شركة نقل اثاث بالجبيل

إرسال تعليق