.

الغجرية

كانوا يقولون أنها كانت أجمل النساء و أذكاهن ، بشعرها الأشقر الطويل ، و عينيها العسليتين اللتين كان يتوه فيهما كل من صادفهما، كالمحيط كانتا تحملان أسرار الدنيا، فكان الرجال يغرقون فيه وفي تلك الإبتسامة الخجولة التي تجذبك للإبتسام مهما كانت حالتك النفسية ، و التي كانت بلسما لكل جرح ، إنها أسطورة الجمال في تعاملاتها مع الأخرين.

اه لم أخبركم أتحدث هنا عن ماريا امرأة لعب بها الزمن فلم يكن منصفا معها في عطائه و لا في أخذه، تأمرت عليها الأقدار فقذفتها بريح الغيرة من أعلى السلالم إلى أدناها، أظن أن ذلك كان انتقاما لأنها كانت تخطف كل الأنظار أو عبرة لكل من يتجرأ على الثقة بالأيام ، فيظن أن ما هو عليه مكتسب ولا أحد يمكنه سلبه اياه . مريا تنحدر من عائلة غجرية تعيش في باريس ، في الخمسينات من عمرها رغم سنها لازالت ملامح الجمال محفورة على وجهها، ولا زالت عيناها تحمل تلك الأسرار، لكن أشعة الحزن تنبعث منها لتضفي على نظرتها شيئا من الغموض المظلم.

تزوجت ماريا بدكتور أحبته وعاشت معه سنوات مكللة بالسعادة ، كان زوجها متيما بها وبجمالها وكان يعلم جيدا أنه محظوظ بها ، فهو يلاحظ نظرات الرجال لها و هو يتنزه بجانبها في طرقات باريس ، لكنه كان يخطو رأسه عاليا و غير مكترث و كأنه بعد كل خطوة يخلف حرفا ليقول به أنا أملك الجوهرة .لم تحتج مريا للعمل فزوجها كان يوفر لها حياة هانئة بكل ما تطلبه، لكنها رغم ذلك أقنعته بحاجتها النفسية للعمل ، لعلها تلتقي بأصدقاء جدد و تحس هي الأخرى بأهميتها الفعالة وسط المجتمع ، حققت أمنيتها وكسرت حواجز الملل اليومي التي كانت تحجب عنها هواء الإنتعاش . خلال هذه الفترة تنفست الغجرية الشقراء أسعد لحظاتها فكانت الإبتسامة لا تفارق محياها، تميزت في عملها فخلقت لنفسها بعضا من الحساد لكنها خلقت حشدا من المعجبين بشخصيتها ، فصار الكل يضرب بها أمثلة النجاح في الشركة ، لدرجة أن مديرها وقع في حبها فكانت المدللة من بين الكل، الشيء الذي لم يكن ليزعجها فقد كان المدير وسيما ذو سلطة و شأن ، مع مرور الوقت اعتادت عليه بل أحبته هي الأخرى فقد كان دائماً بجوارها عكس زوجها الذي كان يغيب لساعات في العيادة ...
تخلت عن زوجها لأجله ، فكان حبها له يزداد يوما بعد يوم بل إني أجزم أنها أحبته أكثر منه، فكانت تلبي له كل الرغبات مثل أن تبقى علاقتهما سرية الشيء الذي حصل مدة سنين طويلة عاشت فيها على سرير السعادة مع مديرها .
لكن الأيام العسيرة كانت تتربص بها و تنتظرها على حافة ما تبقى لها من العمر ، ليحل مكان الضوء الظلام ، و الحلاوة المرارة ، و الإبتسامة الدمعة، حيث أن المدير المحترم تزوج هو الأخر بزوجة تناسب طبقته الإجتماعية فكانت هذه الصدمة الأولى لماريا التي لم تعتد على هكذا صدمات.
سكنها الشك وفقدت ثقتها بهذا العالم المتناقض الذي لا يخلف شيئا غير أسئلة مبهمة تبدو عالقة في ذهنها إلى يومنا هذا .
كيف له أن يتزوج بغيرها هي التي ضحت بزواجها لأجله ؟ كيف لرجل أن يتخلى عنها هي التي يتمناها كل الرجال ؟ كيف صارت وحيدة بعدما كانت وردة كل الحدائق ؟ ... فحتى عائلتها تخلت عنها عندما علمو أنها اخترقت العادات و التقاليد وتخلت عن زوجها الذي قضت معه أياما دافئة بعطائه لها . أما زملائها بالعمل، فقد تسرب إليهم خبر علاقتها بمديرهم، الشيء الذي لاحظوه في الفرق بين تعامله معهم و معها ..
مرضت ماريا مرضا شديدا أجبرها على ملازمة السرير لسنين عدة ، تدمرت بمفردها و تدهورت حالتها الصحية و المادية شيئا فشيئا، صارت مجرد جسد يقذف دموع الأسف على روحها التي بقيت عالقة في الماضي، تعرضت إلى عدة أمراض مزمنة تمنعها من ممارسة حياة عادية ، فقدت الرغبة في التحدث و كلما سألها احدهم ذلك السؤال الميكانيكي" هل أنت بخير "الذي يجيب عليه معظمنا بشيء من الكذب بقولنا في كل مرة "نعم كل شيء بخير" لتنظر إليه بنوع من الغضب وتلتفت لتقول عيناها " ما عاد الخير يعرفني " . سمح لها الأطباء لحالتها الصحية بالعمل ثلاث ساعات في اليوم فقط ، كموظفة في إحدى الشركات، مما لا يوفر لها مدخولا كافيا للعيش ،ولولا مساعدة زوجها السابق الذي ظل وفيا لها رغم كل ما حدث بالتبرع لها كل شهر بقيمة نقدية، لما استطاعت التغلب ولو ماديا على يومياتها العسيرة.
يقال أنها اختلت عقليا ، فهي تقف أحيانا أمام جماد و تحدق فيه، بل تبتلعه بعينيها، لتعكس على وجهها تجاعيد الحزن ، تنتهي بقطرات من الدموع تغسل خديها، وهكذا تظل لساعات دون حراك
في الحقيقة هي ليست مختلة كما يدعون، إنها تحدق فيما حل بها من مصائب، تدور وسط حلقات فارغة و مغلقة، وتحمل ذلك المدير بين ثنايا قلبها رغم كل ما حل بها من وراءه!
فقد يحدث أن تصادفه أحيانا ، ليبتسم قلبها و ملامحها محاولة لفت نظره إليها، لكن دون جدوى، فما إن يراها يغير وجهته لئلا يرغم نفسه على إلقاء التحية عليها .

حكاية ماريا سطور لن تنتهي، هكذا بدأت، لا أحد يعلم كيف ستنتهي، ولا هي نفسها تدرك ذلك،تعيش على هذه البسيطة تائهة في سلسلة متقطعة، تعكس جور الزمن، وتلاعبه بأقدار امرأة حملت لها الحياة كثلة من المفاجئات وشروخا دامية على جدار قلبها البائس..رمتني حكايتها في مفترق طرق أترقب أحداثها عن كثب..وأتأمل..فقط أتأمل..
.

11 التعليقات:

أمال الصالحي يقول...

وأنا أجوب ربوع حكاية ماريا، وجدتني أقف صامتة عند نهاية كل جملة، أحاول أن أفهم ما يعتريني جراء وقع الكلمات بداخلي، متجاهلة علامات الاستفهام المتراكمة..أأتعاطف معها، أهي مذنبة، هل ظلمها القدر، أم ظلمت نفسها، هل وهل وهل..؟؟..لا أملك أجوبة، وأتجاهل البحث عنها، فالمتاهة التي قدتنا إليها يا لطيفة مقفل آخرها ومتشعبة فروعها..
حبكت القصة بطريقتك فوصل المعنى خال من أي شوائب..
جميلة هذه النقلة التي أحيت بداخلنا مرارة الواقع..
سلمت أيتها العزيزة

مغربية يقول...

أحيانا لا نعرف قيمة الأشياء حتى نفقدها
هكذا قصة ماريا
ضحت بالكثير مقابل ما لا يستحق :)
...........
أسلوبك جميل جدا
:)
سلاموووووو

لطيفة شكري يقول...

أمال أشكرك على هذه القراءة الجادة ... أعجبني جدا تغلغلك في القصة ... دمت غالية أمالي

لطيفة شكري يقول...

صديقتي الوفية سناء و ما أجمل تواجدك هنا و هناك .. شكرا لك عزيزتي

خالد يقول...

من عدالة الحياة ان المخطأ يجب ان يعاقب وماريا انسانة انانية أغترت بجمالها تخلت عن زوجها لترتبط باخر بعلاقة غير شرعية فكوفئت بما تستحق.
سردك للقصة رائع جدا لطيفة وننتظر منك المزيد..تحياتي

لطيفة شكري يقول...

خالد و ما أقساه ذلك القدر الذي يمنحنا، ليمتحننا ثم يسلب كل شيء منا ...
الروعة هي تواجدك المشجع .. شكرا لك ولمدونتك المميزة :)) مودتي

قوس قزح يقول...

أسلوبك قصصى روائى ممتع ..
هناك خلل فى الحياة لا أحبه .. إستغلال الضعف الإنسانى سيء جداً .. حتى و إن كانت هى مخطئة على الطرف الآخر أن لا يستغل ضعفها .الموضوع شهوة أكثر منه الى الحب .
لا أستطيع أن أعيش لحظات حلوة على تعاسة الآخرين ..
والنتيجة .. هى تحملتها بكل قساوتها و بشاعتها
بوست جميل جداً يحكى واقع يتكرر يومياً فى حياتنا ..

دمتى بود

لطيفة شكري يقول...

جميل أن القصة راقت لك يا صاجب الألوان الجميلة و الأجمل هو تفاعلك الذي أشاطرك فيه الرأي .. القصة هي من تناقضات الحياة .. و ما أكثرها..
ألف تحية لك

أبو حسام الدين يقول...

لطيفة، والقصة لطيفة..
قد أعتبرها نوعا من التراجيديا التي تحمل المعانات. لكن أضع نسبة 90 بالمئة من المسؤولية على عاتق ماريا، فقد أغراها الجمال وانخدعت ببريق الزمان، فكان ما كان..

sarah saad يقول...

شركة نقل عفش بالدمام
شركة نقل عفش بالطائف
شركة نقل عفش بمكة

Nada Khalied يقول...

عمل سيرتك الذاتية على شبكة الإنترنت بنقرة بسيطة من خلال موقعنا، والحصول على نماذج من السيفيهات. يمكنك بعد ذلك استخدامها فى التقديم على الوظائف المختلفه للسماح لجهات الاتصال الخاصة باصحاب الاعمال معرفة أنك تبحث عن وظيفة. يمكنك ايضا مشاركة سيرتك الذاتية على وسائل الاعلام الاجتماعية، وإرسال رسائل البريد الإلكتروني إلى أصدقائك وزملائك وعند التقدم بطلب للحصول على وظيفة، ومن هنا سيعلم الجميع أين يجدوا المعلومات الخاصة بك بنقرة واحدة فقط من خلال موقعنا الالكترونى http://www.brilliantresumewriting.com
.

إرسال تعليق