.

الموت فينا والخوف فيهم..!


 في خضم هذا الكم الهائل من الأخبار والتغيرات المفاجئة التي  يشهدها عالمنا العربي، يأتي اليوم العالمي للتضامن مع نضال الشعب الفلسطيني، ليوقظ فينا شعلة تحرير فلسطين، والتي ازداد لهيبها عندما سقطت تلك الأنظمة المستبدة بشعوبها، والتي كان يستبد بها من طرف الكيان الصهيوني. 
إذا ما تابعنا عن كثب وسائل الإعلام العربي سنلاحظ أن القضية الفلسطينية ما عادت تحتل الصفحات الأولى كما كانت تفعل من قبل الربيع العربي، الشيء الذي يدفع البعض للقول أننا تناسيناها أو انشغلناعنها، وهذا ما يبدو ظاهريا. 
 
من هذا المنطلق نلاحظ أن السلطات الصهيونية تحاول استغلال الثورات العربية لصالحها، وكما يقال عندما يغيب القط ترقص الفئران، فعجلت مشاريع تهويد القدس و المسجد الأقصى  كما عزمت على تهويد جسر "باب المغاربة" المؤدِّي إلى المسجد الأقصى والتي سيتم بتنفيذها هدم حي البستان وتشريد أكثر من 400 مقدسي. كما كثفت مشاريع الاستيطان في هذه الآونة كما أمرت ببناء آلاف الوحدات الاستيطانية في الضفة الغربية عمومًا، وفي القدس المحتلة على وجه الخصوص. موازاة مع ذلك أجبرت الفلسطينيين على تنفيذ 17 عملية هدم لبيوتهم بأيدهم وأسفرت تلك العمليات عن تشريد 106 فلسطينيا، أما من نجى من عمليات الهدم الذاتي فهو يتعرض يوميا للاضطهاد من طرف المستوطنين، منها هجمات ضد القرى الفلسطينية المعزولة.. وإضرام النار في حقول المزارعين و بالأخص أشجار الزيتون، تسميم الأبار، كتابة عبارات عنصرية على الشواهد القبور والقائمة تطول كما تطول الأراضي التي يستولون عليها كل يوم .

هذا الإرهاب والترهيب ليس إلا سياسة متعمدة من الصهيونيين تعتبر عقابا سياسيا لرغبة الفلسطينيين في المصالحة بين السلطة و حركة حماس المقاومة، وهكذا يجب على كل فلسطيني أن يعيش في عداء مع أخيه الفلسطيني، أن يعيش في عزلة عن مجتمعه،  ويجرد من وطنيته وإنسانيته، ولما لا يختفي تماماً من على وجه البسيطة ! كما تعتبر تخويفا للفلسطينيين  لإجبارهم  على التخلي عن أراضيهم..تماما كما كانو يفعلون منذ الأزل، وبعدها يزعمون أن تلك الأراضي اشتروها من سكان فلسطينين، كما يزعم الغرب أيضا، وهنا أتذكر كلمة بقيت راسخة في ذهني لأستاذة التاريخ التي كانت تدرسني هنا في باريس في أيام الثانوية، عندما قالت إسرائيل لم تحتل فلسطين بل الفسطينيين هم من باعوا أراضيهم.. لست أتذكر ماذا قلته بالضبط من شدة اندفاعي أنذاك، لكني وجدت نفسي خارج الفصل الذي منعت من الرجوع إليه مدة 3 أيام !
 
 زال الإندفاع الشبابي، وتلاشى مع نضج الحياة، لكن الاندفاع والانفعال مع القضية الفلسطينية لم يزل بداخلي وبداخل كل شاب عربي يملك ولو قليلا من الغيرة على أمته وعلى القدس الشريفة التي أوصينا بها، وإن كثرت قضايانا وانشغلت أذهاننا، إلا أننا في الحقيقة وإن كنا غائبين عن فلسطين، فهي ليست غائبة علينا . 

لعل أكبر دليل على ما قلته سابقا وقع أثناء الثورة المصرية، عندما خرج مليونين مصري وارتفعت أصواتهم تهتف "للقدس رايحين شهداء بالملايين" وهذا بالضبط ما يبعث الرعب في صفوف الكيان الصهيوني أن تتخلص الشعوب العربية من الظلم و الاستبداد الداخلي لتنتقل فيما بعد، وفي خطوة منطقية إلى الظلم و الاستبداد الخارجي . كلنا يعلم أن الشعوب والمجتمعات العربية  ترى في إسرائيل عدوها الأساسي في المنطقة وخارجها، كما أنها تضع تحرير فلسطين على قمة أولوياتها الراهنة، أيضا نتذكر أن أحد الأسباب التي أطاحت ببعض الرؤساء العرب هو تعاونها مع الكيان الصهيوني،  وهو الشيء الذي بات لا يخفى على الشعوب العربية التي ترفض أي علاقات مع هذا الكيان الذي يبني جميع علاقاته السياسية والإجتماعية و الإقتصادية على خدمة  مصالحه، وكما نعلم هدفه الوحيد الإستيلاء على فلسطين كلها ولما لا الدول المجاورة أيضاً وتشريد شعوبها إن لم يكن قتلها . 

 لأجل كل هذا وتحسبا لأي حراك عربي سواء كان سياسيا أو شعبيا أو حتى عسكريا لتحرير القدس المحتلة جاءت تصريحات من قبل السلطات الإسرائيلية تبرر فيها إرادتها في تطوير أسلحتها العسكرية  ولن أتفاجأ إذ قامت إسرائيل بالهجوم على فلسطين أو إحدى الدول العربية المجاورة وذلك لخلق سياسة الإصطدام أو لاستعراض عضلاتها أمام الأنظمة الجديدة  واختبارها ورؤية مدى تفاعلها وردة فعلها أمام القضية، وثانيا لاستفزازها وإجبارها على اتخاذ مواقف معادية لها بالتالي تختلس هي صورة الضحية التي تحيطها دول معادية للسلام..


الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وزير الخارجيـة القطري صرح مؤخراً بالجامعة العربية تصريحا يلفت الإنتباه فقال" العرب لديهم القوة لردع إسرائيل وليست لديهم الإرادة لفعل ذلك " وأنا متأكدة أنه عندما تحدث عن "العرب " قصد الأنظمة التي لا إرادة لديها سوى المحافظة على كرسيها وأن "العرب" كشعوب تملك تلك الإرادة  و أنها إذا اتحدت وقررت تحرير القدس فسيكون هناك يوم للتضامن  مع اسرائيل أو يوم لإغاثة إسرائيل من أيدي الشعوب العربية ! وليس يوما للتضامن مع الشعب الفلسطيني. إن كان ذلك الشاب العربي يتقدم بخطى تابثة وصدر عار وغير مكترث و الدبابات مصوبة نحوه لتحرير البلد من الظلم فماذا سيفعل بالعدو الأكبر..يبقى الرهان الأكبر على الأنظمة الجديدة وبالأخص الأنظمة الإسلامية التي استلمت الحكم مؤخرا و التي هي منحازة إلى القضية الفلسطينية أكثر من التيارات والأحزاب الأخرى لنتساءل عن مدى تأثيرها المستقبلي على عملية السلام بالشرق الأوسط. ولعلي أختم مقالي هذا باستنتاج بريء إلى حد ما وهو أنه مهما رقصت الفئران أثناء غياب القط، فإنها لن تفلت من مخالبه حينما يعود من غيابه المزعوم، وإن  حدث وفلتت فذلك ليس إلا في أفلامهم الكرتونية التي ألفوها، لذلك فإن الأمة لن تنشغل عن قضية فلسطين، دامت قلوبنا متعلقة بالمسجد الأقصى وتشتاق إلى تحريره لسجد ركعة عيد فيه .
.

أئمة السلطان


سنة الحقائق بامتياز .. كان ويكيليكس سباقا في كشف المستور لكن الثورة بدورها نزعت الغطاء عن فساد متجذر و أظهرت  بشاعة الأنظمة العربية و تعلقها بالحكم و لو كان ذلك بإبادة شعب بأكمله، شعب لا يملك سوى الكفاح من أجل استرجاع حريته و حقوقه .

لكن في الحقيقة هي لم تكشف عورة الحكام فقط بل عن كل من كان يزعم خدمة المصلحة العامة، و الأجدر أنه كان يخدم مصلحته الشخصية فقط ، وهنا أتوقف طويلا للحديث عن رجال الدين و علاقتهم بالثورة التي فضحت صمتهم أمام الأحداث الدامية التي تشهدها منطقة الربيع العربي.
بالأمس اختلقنا لهم أعذارا وبررنا صمتهم، وادعينا أنهم مراقبون من طرف أجهزة الدولة، وإن كانت ادعاءاتنا واهية وتفتقد للموضوعية فلا رقيب غيره سبحانه. 
أما وقد انهارت الأنظمة الفاسدة و فقدت تلك الأجهزة السيطرة و صارت الشرعية شرعية المواطن، ما عادت هناك تبريرات للصمت المطلق، و حان الوقت ليحددوا موقفا ثابتا تجاه الأوضاع الراهنة ، فتارة يزعمون أن الثوار مجرد متمردين و عصاة يؤججون فتنة مصدرها الخارج، وهدفها زعزعة استقرار البلد، و تارة أخرى يعتبرونهم شهداء قدموا أرواحهم لاستئصال الظلم و الطغيان، وهنا نتساءل عن دورهم في المجتمع و مدى تأثيرهم عليه ؟ 
ككل جمعة تستقطب مساجدنا آلاف أبناء الأمة لتضم أهم تجمع يأتيه الكل طوعا، هذا المكان الذي إن شاء خطباؤه جعلوه منبرا لإلقاء كلمة الحق لا منبر الحزب الحاكم و لا منبرا نزرع من خلاله الرعب و اليأس من هذه الدنيا، فكان أول الحديث عن عذاب القبر و أخره عذاب جهنم، فتتحول معظم الخطب إلى عذاب في هذه الدنيا قبل الآخرة ! ليزداد المواطن إحباطا على ما كان عليه. ثم إني لا أتساءل في أي نفاق هم! يشيدون بالحق و الصدق و ما إن ظهر لهم الحق ألبسوه ثوب الباطل، و طبقوا دكتاتورية الرأي على كل من يخالفهم، و كأن الله لم يخلقنا أحرارا ! و كأنهم خلقوا ليكونوا أوصياء على خلق الله !

و إن كانت المساجد بيوت الله و المنار للهدى في الأرض و مكان العبادات اليومية و الحوارات الفكرية و مأوى الفقراء، و محكمة للعدل الإلاهي، فيها يقام الحق و يشع المعروف و يبطل الباطل، إلا أنها في زمننا هذا أصبحت متحالفة مع الصمت و عند كل آذان فتوى تحلل و تحرم ما يحرمه و يحلله الحاكم . 

 ولعل أنجع الحلول لهذه الظاهرة الخطيرة هو إعادة تأهيل الأئمة و رجال الدين، و ليس كل من حفظ حديثاً أو حديثين يخطب و يفتي في شؤون الأمة، فلا نهضة بدون صلاح أفكار رجال الدين وهم أولى أن يقتدى بهم ، بل و بيدهم العصى السحرية التي تفرق و تجمع أفراد الأمة.
أتساءل لماذا وزارات الشؤون و الأوقاف الإسلامية غافلة عن أهمية تهييئ أئمتها بينما وزارات التعليم لا تقبل إلا بالشهادات العليا للتدريس في الجامعات !
ثم إن فكرة التجديد في الخطبة لن يكون بلا منفعة و التجديد هنا لا يعني التخلي عن المحتوى الديني، بل إدماجه و مواكبة متطلبات  الأمة الثقافية الحضارية  الاجتماعية و السياسية، ثم إن  تجديد الأسلوب الذي بات رجعيا و تقليديا لا يؤثر على الصغار فكيف بالكبار؟ و إن كان للموهبة هنا دور فعال و مهم،  حيث أن المخاطب الموهوب و الحاضر الذهن و الوعي سيكون أكثر تأثيرا على الناس من ذلك الذي يتلعثم كلما قلب صفحة وريقاته التي لا تفارقها عيناه و كأنه يقرأ درسا إنشائيا أرغم عليه. 

إننا نشهد أياما تبعث الأمل في النفوس، و إن كان الحاضر دمويا فإن المستقبل لن يكون إلا ورديا، و المستقبل هنا يصنع اليد في اليد تصديا للظلم و الفساد و ليست اليد الواحدة تصفق إن لم تشاركها أيادي رجال الدين و المثقفين و السياسيين.. فكم أستغرب عندما ترفع أصوات الثوار في الساحات متسائلين أين أصوات رجال الدين رغم كثرة العمامات المنتشرة ! 
رغم كل هذا تبقى هناك نخبة من الذين يؤدون الأمانة على أكمل وجه فكانوا لنا قدوة نتبعها كلما كثرت الآراء و انقطعت السبل، ونحن لهم شاكرون و لهم من الله رحمة في الدار الآخرة  .
.

يوميات من شارل ديغول

حقائب سفر مزركشة، و أخرى بلا لون تمر أمامي، تماماً كما أصحابها، بعضها مثقل بفتافيت الحياة اليومية، والأخر محمل بالوطن و أمل العودة يوما ما. إن كان المطار بالنسبة للبعض يختصر المسافة و يتجاوز المكان و الزمان كجسر للعبور إلى الضفة الأخرى، فهو بالنسبة لآخيرين سكن مؤقت،  ما بين هذا البلد و ذاك ..

يحضرني الأن حوار مع ذاك التونسي الذي هاجر سرا أثناء ثورة الياسمين، صادفته من يومين، اختار المطار ملجأ له منذ ما يقرب الشهرين،   سمعني  أتحدث عن الثورة العربية مع أحد زملائي فأجهش بالبكاء قائلا لم أطلب إلا حقي الذي ولد معي فسلبوه مني ، لم أطلب سوى الحرية و حق الحياة في أمان ،أمنياتي هي أبسط حقوقي.....! كان همه كبيرا و كانت كلماتي صغيرة،  لعنت في صمت حكوماتنا العربية التي شتتت أمتنا و جعلت الرجال يبكون كالأطفال ، فعلت بنا ما فعله العدو الصهيوني ، قتلت و شردت و حبست لأجل نعيم زائل قد يغدو جحيما.
ألقيت نظرة على الجانب الأيسر لأرى خلف الزجاج أشباح الوداع تطارد ذاكرتي، تهرب العين من مشهد قد يضر القلب،  لأجد نفسي غارقة في واقع مرير.
صوت يتعالى يطالب  ركاب الطائرة الإسرائيلية أن يتوجهوا نحو الأبواب المحددة، أجهزة الأمن تحيط جانبا من المطار حتى لا تقترب منه ذبابة سولت لها نفسها مس الشعب المختار.  طفل في الرابعة من
عمره يسأل أمه لما رجال البوليس يحيطون بنا، ماذا فعلنا يا أمي ؟ حاولت الأم تبرير الموقف كاشفة بذلك الحرج الذي سببه لها، هراءات كذبتها براءة الطفل، حتى أني كدت أقاطعها بكلمات نزارية :
لقد سرقتم وطنا..
فصفق العالم للمغامرة
صادرتم الألوف من بيوتنا
وبعام الألوف من أطفالنا
فصفق العالم للسماسرة
 سرقتم الزيت من الكنائس
سرقتم المسيح من بيته في الناصرة
فصفق العالم للمغامرة
وتنصبون مأتما إذا خطفنا طائرة
 هي هذه الحقيقة أيها الطفل، هم هنا لحمايتكم من انتقام الزمن و دوران العجلة.. من سيحميكم من الخوف يا ترى !؟
قد يكون ذاك الطفل الأن في  تل أبيب، أما كلماته فلازالت تحوم حول ذهني، وحدها القهوة ستخفف عني وطأة الموقف،  لم أكمل طريقي حتى صادفت أصحاب السمو و الفخامة و حاشيتهم و حشد من العمال يحاولون ترصيف الكميات الهائلة من حقائب الأمير، التي يفوق عددها الوصف، يلزمها طائرة بأكملها، زادت حيرتي عندما رأيت تمورا تسافر من باريس إلى السعودية ! من يدري ربما تمور الصقيع ألذ ! بعدها استسلمت لسخرية القدر عندما رفعت رأسي في حركة عشوائية،  لأرى صورة طفل من القرن الإفريقي يموت جوعا في حضن أمه! فمه مفتوح و كأنه يلقي نداء استغاثة ! حتما لم يصل صوت الصورة و لم يسمع صاحب السمو نداءه .
جلست أشرب قهوتي فكتبت هذه الكلمات في مذكرتي : مهما حملوا من حقائب فلا يوجد أثقل من تلك التي يحملها العربي في نفسه،  مهما ابتعد وسافر في الزمن و المكان فإن همه لا يفارقه،  يرى به ما لا يراه الأخرين. أما المطار فلازال نقطة العبور التي لابد منها،  للوصول إلى ما نريد وربما إلى ما لا نريد !   
.

بقايا ذاكرة عالقة



أرتشف جرعة القهوة على غير عادتي،  بعدما تذوقتها ذات صباح معك بعد إصرار منك، محاولا شرح مفعولها عليك، وكأنك  ترسم إمرأة سحرتك أو وردة قبلتك ببطئ  فأحيت فيك الربيع .. لست أدري إن كنت تذوقتها بدافع الغيرة منها، أم فعلت لأسرق سحرها و أمارسه عليك كلما سكنت البعد، أمحو المسافات بين الخيال و اليقين ..
كل ما أعرفه أنها أصبحت مؤنستي بعد رحيلك،  بقيت رائحتها تدغدغ شعلة ذاكرتي، توقظ فتيل ماض أطلق فيه عنان روحي فتتراءى أمامي وجوه أعرفها وأخرى تسكنني منذ العصور الأولى.. 

أحرك قعر فنجان القهوة الذي ترسب فيه السكر، تماماً كما تسرب الماضي إلى غرفتي، مخترقا زجاج نافذتي الملون كضحكات الأطفال، أحدث ضجة علني أخرج من دوامة الذكرى الجارفة، التي أرهقت المناظر و اللحظات ، ألقي نظرة على هاتفي الذي يحمل نصف ذاكرتي، أستحظر مع كل صورة قصة، أحاول جاهدة ترجمتها فأعجز عن نقل قشعريرة اللغة إلى الحبر.. أستسلم للأمر الواقع.. أنا لست بشاعرة، أنا مجرد هاوية لحرف محمل بطفولة تكبر لتكتب و تكتب لتحيا ..تنمو في الكلمات ليكتب لي عمر عند انتهاء كل جملة .. 

حسنا، أمواج الشغف إليك لن تلفظ قصيدة هذا المساء ، ستكتفي بغرقي في عينيك، ستغسل ملامح القساوة التي يرسمها غيابك على وجهي كلما أردت أن أكون غيري و انتهكت حرماتك المقدسة.. سأعقد قران الكلمات ببعضها، لأشكل لغة لا يفهمها غير الشعراء و أنت .    

 ليكن إذا إنها ليلة يغفو فيها الوجود، فالليل وحده يهزم المقاومة .. تنطفأ الشمس فتمتد الحرائق إلى الفجر، و القمر في السماء يراقب تنفيذ حكم أهرب منه في يومي لأجده ينتظرني في حلمي .

للمرة الألف أعبر ذلك الجسر فأسمعه يقول  : 
لولاك ما عرفت الحب في هذه المدينة الصقيعية  
و ما تذوقت دفئ حروف الأبجدية 
و لا رأيت ألواني البنفسجية 
 أقر أنك كنت أسعد امرأة ذلك المساء
فدعيني أخبرك عن  سر يا حبيبتي : 

لا أحد يهرب من الحب، إنه زنزانة بلا جدران  يحرسها الشوق و الحنين إلى لحظات انسجام تام مع الحياة.  
.

الشعب يريد..


عندما يحتدم الصراع و تسكن الشاشات بالأخبار المفزعة، ما علينا سوى التعاطي لحبوب الهلوسة  علنا ننسى قليلا أو نخفف من غليان عقولنا التي لم تعد تعرف كيف تعايش الوضع الراهن .

فوضى عارمة، تسود الأقطار العربية، البعض ينظر إليها بمنظار اليأس و السلبية لينتهي به الأمر كل مساء جمعة إلى انهيار عصبي ! 
إلا أني في الحقيقة أعتبر هذه الفوضى إيجابية جدا، و إن كانت تدل على شيء فهو استيقاظ الوعي و الضمير العربي .

لم تتفق الشعوب العربية على جملة كما اتفقوا على "الشعب يريد إسقاط النظام " هذه الجملة وحدها تحمل من التفاؤل ما لم يحمله أي كتاب للتحفيز ، وبغض النظر عن النظام الإستبدادي الذي سيسقط عاجلا أم آجلا بما أن الشعب يريد ذلك .

أتوقف عند كلمة "الشعب يريد" لتبزغ هنا أول  حرية ألا و هي حرية الإرادة الدالة على أن تصرفات الشعب تنبع من إرادته الحرة بالكامل، وليست موجهة كما هو الأمر في الدول الغربية التي يتخذها البعض كدول مثالية يقتدى بها . سنأخذ كمثالٍ فرنسا، التي تعتبر نفسها دولة ديمقراطية بامتياز و على الشعوب العربية الرجعية أن تتبع خطواتها لتصل إلى ما وصلت إليه من رقي سياسي و اجتماعي، مع أني أرى العكس تماماً، بل  و سأكون أشد قسوة وأقول أنها بعد كل ما حققته من تقدم فكري، و رغم المظاهر الخادعة ، فهي دولة تتجه نحو الدكتاتورية و التطرف السياسي.

من السهل جدا أن نمنح الحرية و بعضا من الحقوق لشعب لا يملك حرية الإرادة تم  غسل عقله بوسائل الإعلام و التعليم، و بعض الأجهزة السياسية و الإجتماعية، تماماً كما كان يفعل الحزب النازي مع الشعب الألماني بتصوير عدو واحد  خارجي (اليهود، الغجر .. ) على الوطن أن يتحد ضده.. و قضية واحدة : الحفاظ على طهارة العرق العالي و هكذا تخفى كل المشاكل الإقتصادية و الإجتماعية و السياسية الحقيقة..

ربما تتساءلون ما العلاقة بين ذلك العصر و هذا ، إنها طريقة التعامل مع الشعوب، وإن اختلفت الأفعال، فالعدو الخارجي واحد، هو الذي يخفي جميع المشاكل، ولازال يخيف الشعوب الغربية، ألا وهو الإرهاب،  لتصنع منه قضية أمن دولة، و يصبح كل شيء مباحا من أجل هذه القضية المفبركة وصل حد منع المنقبات من ممارسة حياة عادية كما باقي النساء.. بهذا برهنوا للعالم أنهم يعشون ديمقراطية مزيفة .
 
ما دامت هناك أفئدة تتوق للحرية  و أرواح تضحي بنفسها لأجل غد أفضل و عقول تسأل عن حقوقها، فنحن في الطريق الصحيح و إن كان الثمن غاليا قد يكلفنا أكثر مما نتصوره ، فلا شيء يأتي من لاشيء و أبسط الأمنيات اليومية لابد من دفع ثمنها لتتحقق، فكيف لا ندفع ثمن حرية أمة بأكملها، وربما نظل على حالنا هذه سنوات عدة كما كان حال فرنسا بعد الثورة، و التي أخذت خمسين عاما لتستقر أوضاعها السياسة و الإجتماعية ..

لقد أثبتنا بهذه الفوضى أننا قادرون على تحريك الزمن، بل و نتحكم فيه، فقد انتقلنا اليوم فقط من الماضي إلى المستقبل  
 دون تخطيط مسبق، ليكون محركنا الأساسي رقي الفكر و استقلاله، 
لا داعي إذن  للتأزم و التشاؤم، فهي  مرحلة انتظرناها و انتظرها أسلافنا، مرحلة كتب عنها ألف كاتب و حلم بها مليون مواطن،  ألا و هي مرحلة التغيير التي لن تمر من دون أن تملأ  بعضا من صفحات  التاريخ .
.

يوميات مواطن


طلب إجازة من مديره، فهو يريد أن يتردد على ميدان التحرير، وينضم  للتظاهرات المنادية بالتغيير. مؤمن بأن القوة في العدد و بأن للتغيير ثمن ، فلا شيء يساوي استرجاع وطنيته المسروقة، ينادي بالحرية و العدالة كما يطالب بالإصلاح و التغيير إلى الأفضل، يواكب المسيرات و قلبه مطمئن بما أنه يشارك في صنع التاريخ، وإن لم يذكر اسمه في كتب التعليم، إلا أن أبنائه سيتذكرون مواقفه البطولية 
يعود إلى بيته، يهرول إليه أولاده، كانوا ينتظرونه.. يتذكر بشيء من العصبية أن اليوم إجازتهم.. ولازال يصارع أفكاره المتشائمة، ليأتيه  ابنه الأصغر يطلب منه السماح له بالتسجيل في نادي السباحة،  فيكون الرد نفي ونهي  بألا  يحلم بذلك اليوم، و أنه سيسجل في نادي كرة القدم، فلا حوار و لا نقاش في ذلك وانتهى . تأتيه ابنته الأكبر سنا و التي لطالما حلمت بأن تكون صحافية، لتطلب موافقته للذهاب إلى محاضرة حول الإعلام الجديد و الإعلام الرسمي ، يأتيها الرد أسرع من البرق "وما دخلك أنت بالإعلام ؟" ترد هي بصرخة صامتة .."اقتلعي الفكرة من رأسك فمصيرك كلية الطب، وإلا البيت ! "لا حوار ولا نقاش في ذلك ..وانتهى مرة أخرى
يرى ابنه الثالث ما دار من "حوار" بين أبيه و أخويه فيقرر أن لا يتحدث عن مشكلته مع أحد زملائه في المدرسة، مدركا أن ذلك لن يجدي في شيء ،بل وكما عادته سيطلب منه أبوه قليلا من الصمت لعله يستمع للأخبار بسلام   
جاءت زوجته، مطالبة إياه الإهتمام بمستقبل أولاده ومتطلباتهم اليومية التي لا يكترث لها .. يأتيها الرد محملا بالأوامر ومنها أن لا تتدخل في ما لا يعنيها و أن تكتفي بالتحدث في شؤون الطبخ و الغسيل
وهكذا يكون المجلس قد رفع، لا مجال للحوار هنا،  فموجز الأخبار ينتظر صاحبنا محملا بما هو أهم .. أحوال الديمقراطية في الوطن ، متناسيا بأن منزله الصغير جزء من ذلك الوطن ..وأن الحرية و العدالة و الديمقراطية لا تكتب على الورق فحسب بل هي نابعة من أنفسنا و يومياتنا.. 
نام الأطفال و الأم  وهم يحلمون بثورة تقتحم  بيتهم يوما ما.. 
كما نام الوالد وهو يشتم الحاكم المخلوع الذي أدخل البلد في متاهات من الظلم !!
.

فجر جديد !!

استرجعت بعض الدول العربية حريتها، بعد أن كانت في أيدي رؤساء الموت الذين منحوا أنفسهم حق قبض الأرواح متى شاؤوا، و كيفما شاؤوا، حتى الوطن قبضت روحه، فأصبح عاجزا عن التنفس أو الحركة، شلت أفكارنا و سجنت، ثم خنقت عروبتنا في صدورنا  فكان القاسم المشترك بيننا هو صمتنا على مصير أمتنا، صمتنا على ضياع فلسطين، صمتنا على موت بدون قدر.. نعم وحده الصمت كان يجمعنا في القمة العربية و الخليجية و المغاربية و المحلية و حتى المنزلية !
لقد نفخت الروح في جسد عروبتنا المتآكل و ها نحن نسترجع قوانا رويدا رويدا، لنرسم وطنا يحده البحر و القمر ويسكنه أفق بلا غيوم تحجبنا عن المجهول ..بعدما كان معسكرا يهان فيه الإنسان كرامة و حقوقا
رياح الأمل تهب من هناك، مرددة لا مستعمر بعد اليوم و لا غزو غربي بعد الأن.. أما الأمل الأكبر و الأجمل فهو استرجاع فلسطين و كما سقط فرعون و نيرون فلما لا يسقط عرش شارون..
زحف الشباب نحو ميادين التحرير فلما لا نزحف نحو قطعة الأرض تلك التي سموها إسرائيل،  نسترجع بالقوة ما أخذوه منا بالقوة ! أم أنكم و في زمن الرصاص لازلتم تؤمنون "بالمفاوضات"،  نفسها هذه الكلمة التي أدخلت العار على كل بيت عربي وشردت شعبا بأكمله فباعت وطنا لأجل كرسي ! على طاولة التفاوض تلك،  حفرت قبور الشهداء فقالوا ها نحن نحقق خطوة إلى الأمام، صرنا نصافح ونبايع الموت مجانا ثم نوقع بقلم جف حبر كرامته،  فاستبدلناه بدم الأبرياء، ثم وافقوا ووافقنا في صمت .
الثورة العربية  خلصتنا من الإحتلال الداخلي ومآلها عاجلا أم أجلا تخليصنا من الإحتلال الخارجي  ليس كله إلا مسألة وقت  فلا يمكننا إعادة بناء وحدتنا العربية وفلسطين محتلة، كما لا يمكننا الافتخار بثورة استرجعت كرامتنا أمام عدو لا زال يحتل بيوتنا.. وإن حدث العكس و رجعنا إلى طاولة التفاوض تحت ظل عبودية مغتالي شجرة الزيتون المباركة.. فنحن ببساطة موتى .. نعم موتى..ولا عجب إن فقدنا الشعور بحرارة الموت  ولا بمن يسقطون  عبثا بين مخالبه. 


حقوق الصور محفوظة
.

قصيدة من حرفين

ستتفتح الزهور في أودية السعادة، و سيفوح عبقها في أرجاء المواسم والعواصم، من هناك ستنبعث رسل الصبابة، سأوقد شموعي المتدلية من الشمس و ألغي بذلك مدينة الضباب ..
سيغير مجرى نهر الحب.. سيأتي إلي عاريا إلا من رياحه العاتية، و ثمالة نبيذه، منه سنشرب نخبي و نخبه، منه سنرتشف نشوة الربيع و نرضع طفولة الذاكرة.. و الأنامل تتنزه فوق عذرية فجر محاولة غزو صموده، ننسج خيوط العقل والجنون، ثم نعلن
غرق الخيال في الواقع، تلاحم الممكن و المستحيل ، ننتفض..رفقا بنا أيتها السماء، فقد أضنانا وباء الشوق و الحنين ، أرهقنا البعد.. بين الحضور و الغياب
 تمهل أيها الوطن.. فنحن معتادون على مصارعة عواصف شتاء نحت تجاعيده القاسية  على سطح  قلوبنا، في كل مرة ننهزم ثم ننتصر، نسقط ثم نقف، إلى أن ندوب و ننصهر..
 بنفسجية هي السماء، كجسر هولندي  ألغت تكدر الغيم ، فانجلت شوارع تترقبني  لأسلك فيها الطريق الى قلبك..هناك سأكون، حيث كل شيء ينتظرني ورود ترسم ابتسامة الخدود، همسات تترجم تشابك الأيدي و ذبذبات أنفاس تكتب قصيدة  على منعطف لحظة راقصة ..
 سينفض الغبار على سقف الحلم حتى يستفيق، ليجد نفسه يقبل شفاه الواقع، و هو يصرخ هاأنذا  تحققت.. هاأنذا  تحققت ..وهاهي ذي  المدينة تحضر نفسها، تلغي الليل و النهار و تنام جنب حرفين مستلقيين على وسادة واحدة ..
.

لحظة انتظار..

في ساعة انتظار تتوقف عقارب معلقة على الحائط،  تتحول الدقيقة إلى نقطة مطر عالقة على وريقات الأشجار تخشى العلو و تأبى السقوط ، فيما يركض رجل متقدم في السن  وراء رياح سرقت قبعته.. تماماً كما أركض نحو لحظة اللقاء التي جرفتها دوامة الترقب ..
لأشعر أن الموعد قد حان لكن الوقت لم يحن بعد.. أحاول جاهدة أن استحضر تلك الأشياء التي تريد أعماقي البوح بها .. لكن بدون جدوى .. وما الجدوى إن كانت مواعيد النطق تهجرني كلما حان وقتها، وجوه غريبة لكنها متشابهة تمر أمامي بدون أن أراها تنتظر اخضراراشارة المرور لتختفي في الأفق .. بينما تظل الساعة و الإشارة و أنا عالقين على جسر الإنتظار ... نتساءل  كل على طريقته ، ومن قال أن للسعادة موعد ؟


حقوق الصور محفوظة.
.

هل نتبع..لنكون ؟


خرجت اليوم لاقتناء بعض الأغراض المنزلية ، وإذا بي أرى قلوبا في كل مكان وطوابير غير عادية عند المحلات ، دفعني الفضول للسؤال، ليجيبوني أنه عيد الحب؛ بما يسمى عندهم Saint Valentin. حماقة أخرى من حماقات الغرب. في الحقيقة  أعيادهم مستفزة و غبية : عيد الأم و عيد الأب،  عيد الحب و عيد الموتى ... وكأننا محتاجين لمثل هذه الأيام لنتذكر أمهاتنا ونهديها هدية ! الأم يا سادة كرمها الإسلام ورفعها إلى مرتبة لم تمنحها لها أي ثقافة ولا حضارة.
وما يرهقني الأكثر في هذه الأعياد هو عندما أرى عربيا مسلما لا يفوت عيدا منها، و كأنها الطريقة الوحيدة ليثبتوا أنهم اندمجوا في المجتمع الأشقر، تقليد الأعمى للأعمى،  واندماج على الطريقة الساركوزية، لست أدري متى سنرتقي نحن أيضاً ونفكر بمنطق وعقلانية ،  هل رأيتم يا سادة في يوم  من الأيام فرنسيا أخضر العينين،  نحر خروفا يوم الأضحى أو احتفل بعيد من أعيادنا.
 ربما نحن نشهد الان ضعفا سياسيا ، إقتصاديا.. مرغمون على ذلك ، لكن لما نضعف أنفسنا ثقافيا ! هل يجب أن نتبع .. لنكون ؟ بالطبع لا و ألف لا ، ربما الفكرة أكبر من الواقع، لكن الأشياء الصغيرة تصنع الأشياء الكبيرة، والعرب الذين شاهدتهم اليوم يحتفلون بعيد الحب،  حتما لم يعوا خطورة هذا الانسياق.
في واقع الأمر، الموضوع ليس إلا منهجا تجاريا وسياسة من سياسات الدول المتقدمة، التي تستخدم العاطفة  ليحثوك على الإستهلاك، ويدفعوك للتبذير..
رجعت للبيت وخيبتي كبيرة من  أولائك  العرب الذين لا يعلمون حتى أن غداً هو ذكرى مولد النبي.
إن ديننا الإسلامي شرع لنا من الأعياد ما يغنينا عن أعياد الغرب، ولو حافظنا عليها وعلى   ثقافتنا لخطونا خطوة كبيرة نحو الرقي والتقدم . 
.

احــذروا !

عندما أرى ما يحدث في بعض  الدول العربية من فوضى واشتباكات خلفت خسائر بشرية و مادية ضخمة ، أتساءل عن أوضاع الوطن الذي تؤرقني خاصة بعد  زيارتي له  منذ فترة قصيرة ..
 ربما هو قلق اكثر من أي شي ، قلق على استقراره، واستقرار وحدته الترابية  قلق على ذلك الهدوء السائد و المريح.
 الثورات الحالية برهنت أن للحرية ثمن، وهو الشيء  الذي لا أعارضه ، بل و إني سأكون أول المتضاهرين لأجل الحق، البعض يتنبأ بل متأكد بأن ما حل بالدولتين تونس ومصر سيمتد من الرباط إلى الكويت، وبنفس الطريقة، وهي الفكرة التي أعارضها ،حيث أن لكل دولة خصوصياتها وأكبر دليل على ذلك هو أن ثورتي تونس و مصر مختلفتين تماماً و إن كانتا لنفس الأسباب و تطالبان بنفس المطالب .
الخطأ الفادح هو أن نظن أن المغرب شبيه بتلك الدول، وإن كنت هنا لا أتحدث عن الأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية بل السياسية . كما نعلم جميعا للمغرب أعداء كثر ، سواء داخله أو خارجه ، وإن خرج الشعب للمطالبة بحقه في ثورة أو احتجاج ، فسيستغل الوضع لأغراض أخرى منها المصالح الشخصية للحاقدين على المملكة أو مصالح دولية تشتت البلاد وتقسمها إلى نصفين .. كما يسعى إلى ذلك بعضهم . لكل هذا و ذاك أقول أن الوحدة الترابية للبلد قائمة على استقراره الأمني و السياسي، الشيء الذي لا يمنعنا المطالبة بحقنا بذكاء، دون أن نستغل و تلوث عقولنا بأفكار تقودنا إلى طريق لا يخدم المصلحة العامة
 لنكن على حذر،   فأصغر فجوة ستكون بمثابة مدخل للأعداء،  لينقضوا على البلاد و يغرقوها في فوضى لا منتهية..
.

يوميات أندلسية

بعد ساعتين من التحليق على متن الطائرة، وصلت إلى الأندلس .. و بالضبط إلى مدينة إشبيلية المعروفة بتاريخها العريق ، كان الجو هادئا و ألطف بكثير من الجو الجليدي الباريسي . استيقظت باكرا صباح اليوم التالي احتضنتي أشعة الشمس الدافئة التي ملأتني حيوية و طاقة لأخرج دون أي وجهة محددة ، وأنا أسير بين شوارع تلك المدينة المذهلة بدأت  في عد أشجار المخضرة المثمرة بالبرتقال ، لكني سرعان ما اكتشفت أنها فاكهة المدينة حيث أنهم زرعوا ما بين شجرة برتقال  وأخرى  شجرة برتقال ! و هكذا كانت المدينة بأكملها برتقالية :).

.

شرارة غضب

و كأن العنف هو الوسيلة الوحيدة، لكي تسمعك السلطات أيها المواطن العربي، كان لابد من تلك العواصف الإحتجاجية، العنيفة لكي تهتز حكومة تونس و الجزائر . لا شيء خارق للعادة خضار تسلبه الشرطة التونسية بضاعته، بطريقة مهينة ، و غلاء المواد الغدائية في الجزائر،  ليست إلا يوميات مواطن مغاربي . إلا أن هذين السببين كانا كافيين لتفجير غضب المواطن، الذي من خلالهما يرى أبعادا إجتماعية و سياسية أكبر بكثير مما تبدو عليه الأمور.
.

بلا عودة :)

بلا عودة ، هكذا اتفقتا أنا و صديقتي أمال التي كانت تشاركني كل ما يحدث هناك .
قمت بحذف كل صوري الشخصية و نقرت بعدها على زر إلغاء الحساب.. تنفست من القلب تنهيدة راحة و استرخاء، و بدأت على بركة الله حياة جديدة بدون فايسبوك :)
و أخيرا لا شيء يقيد حريتي،  ولا أفكاري،  و لا حتى يومياتي ، لا شيء يجبرني على فتح هاتفي، خمسين مرة في اليوم، لتقصي أخر الأخبار الفايسبوكية، و التي كانت في معظمها غير مهمة، إن لم أقل مملة. هذا الأمر في حذ ذاته يعتبر سلبا لحرية الشخص حيث أنه يدير تفكيرنا بطريقة أو بأخرى ..
سنة و نصف قضيتها هناك خسرت أكثر مما ربحت، بلا عودة إلى ذلك العالم المزيف الذي لا تتفق معه مبادئي و لا عفويتي ، حيث أن الشخص هناك متعدد الوجوه و في الحقيقة لست مستعدة لقضاء وقتي في الكشف عن الأقنعة.
وبعد كل ما ذكرته لن أخفي شوقي لبعض الأصدقاء هناك و الذين لولاهم لكنت غادرته من فترة و أذكر منهم ناهد البكري ، مصطفى البقالي، سارة بنعادل ، ناصر الرماوي، سناء المغربية، هبة نصري، وليد جبري ، منال بالحاج ، و دلال أبو هلال ..
أهلا بالواقع الجميل،  بتفاصيل حياتنا الرائعة،  التي يحدث أن يلهينا عنها الفايسبوك. ربما تستغربون، و تتسائلون لما أعطي لهذا الموضوع كل هذه الأهمية، بكل بساطة لأني كنت من مدمني ذلك العالم و الخروج منه خطوة مهمة إلى الأمام بالنسبة لي .
اعذروني إن وجدتموني مرة أخرى هناك هههه :)   ( أمزح )
.