.

يوميات من شارل ديغول

حقائب سفر مزركشة، و أخرى بلا لون تمر أمامي، تماماً كما أصحابها، بعضها مثقل بفتافيت الحياة اليومية، والأخر محمل بالوطن و أمل العودة يوما ما. إن كان المطار بالنسبة للبعض يختصر المسافة و يتجاوز المكان و الزمان كجسر للعبور إلى الضفة الأخرى، فهو بالنسبة لآخيرين سكن مؤقت،  ما بين هذا البلد و ذاك ..

يحضرني الأن حوار مع ذاك التونسي الذي هاجر سرا أثناء ثورة الياسمين، صادفته من يومين، اختار المطار ملجأ له منذ ما يقرب الشهرين،   سمعني  أتحدث عن الثورة العربية مع أحد زملائي فأجهش بالبكاء قائلا لم أطلب إلا حقي الذي ولد معي فسلبوه مني ، لم أطلب سوى الحرية و حق الحياة في أمان ،أمنياتي هي أبسط حقوقي.....! كان همه كبيرا و كانت كلماتي صغيرة،  لعنت في صمت حكوماتنا العربية التي شتتت أمتنا و جعلت الرجال يبكون كالأطفال ، فعلت بنا ما فعله العدو الصهيوني ، قتلت و شردت و حبست لأجل نعيم زائل قد يغدو جحيما.
ألقيت نظرة على الجانب الأيسر لأرى خلف الزجاج أشباح الوداع تطارد ذاكرتي، تهرب العين من مشهد قد يضر القلب،  لأجد نفسي غارقة في واقع مرير.
صوت يتعالى يطالب  ركاب الطائرة الإسرائيلية أن يتوجهوا نحو الأبواب المحددة، أجهزة الأمن تحيط جانبا من المطار حتى لا تقترب منه ذبابة سولت لها نفسها مس الشعب المختار.  طفل في الرابعة من
عمره يسأل أمه لما رجال البوليس يحيطون بنا، ماذا فعلنا يا أمي ؟ حاولت الأم تبرير الموقف كاشفة بذلك الحرج الذي سببه لها، هراءات كذبتها براءة الطفل، حتى أني كدت أقاطعها بكلمات نزارية :
لقد سرقتم وطنا..
فصفق العالم للمغامرة
صادرتم الألوف من بيوتنا
وبعام الألوف من أطفالنا
فصفق العالم للسماسرة
 سرقتم الزيت من الكنائس
سرقتم المسيح من بيته في الناصرة
فصفق العالم للمغامرة
وتنصبون مأتما إذا خطفنا طائرة
 هي هذه الحقيقة أيها الطفل، هم هنا لحمايتكم من انتقام الزمن و دوران العجلة.. من سيحميكم من الخوف يا ترى !؟
قد يكون ذاك الطفل الأن في  تل أبيب، أما كلماته فلازالت تحوم حول ذهني، وحدها القهوة ستخفف عني وطأة الموقف،  لم أكمل طريقي حتى صادفت أصحاب السمو و الفخامة و حاشيتهم و حشد من العمال يحاولون ترصيف الكميات الهائلة من حقائب الأمير، التي يفوق عددها الوصف، يلزمها طائرة بأكملها، زادت حيرتي عندما رأيت تمورا تسافر من باريس إلى السعودية ! من يدري ربما تمور الصقيع ألذ ! بعدها استسلمت لسخرية القدر عندما رفعت رأسي في حركة عشوائية،  لأرى صورة طفل من القرن الإفريقي يموت جوعا في حضن أمه! فمه مفتوح و كأنه يلقي نداء استغاثة ! حتما لم يصل صوت الصورة و لم يسمع صاحب السمو نداءه .
جلست أشرب قهوتي فكتبت هذه الكلمات في مذكرتي : مهما حملوا من حقائب فلا يوجد أثقل من تلك التي يحملها العربي في نفسه،  مهما ابتعد وسافر في الزمن و المكان فإن همه لا يفارقه،  يرى به ما لا يراه الأخرين. أما المطار فلازال نقطة العبور التي لابد منها،  للوصول إلى ما نريد وربما إلى ما لا نريد !   
.

20 التعليقات:

لا ليور دو لاطلاس يقول...

لطيفة،

كل مرة امر بالمطار أدون و لم أتجرأ بعد على نش ما دونت،
شكرا على هذه التدوينة العميقة عمق جراحنا و آلامنا
شكرا لما تتقاسمينه معنا
كرا على هذا الرقي في الكلمة و المعنى
شكرا لانك مثال رائع للتدوين المغربي في شخص نسائه

قوس قزح يقول...

الله يا لطيفة .. مقالك رائع وراااائع و راااائع
فى مكان وزمن محدد هو مطار شارل ديجول سجلتى لنا بحسك الراقى كل ما يجول فى خاطر وذهن كل عربى .. لمستى مواقع الألم فى ضمير امة بكامله .. ما اجمل شعورك حين ينساب فى صمت .. ولجوءك لفنجان القهوة ماهو إللا محاولة صمت لجمع ذاكرة مشتته و حسرة مكبوته ..

أشكرك ..

بالغ تحياتى وودى لك

إسماعيل يقول...

عنوان التدوينة قد يبدو بسيطا ولكنه يحمل معاني عميقة إذا ما قرأناها سيميولوجيا وربطناه بموضوعك ويومياتك بهذا المطار الذي يحمل العديد من المفارقا عن أمتنا وهذا العالم
شكرا على المقال الجميل

علاء الدين يقول...

السلام عليكم،
سرد جميل يختزل بعضا ما يعانيه كل إنسان عربي يغار على كرامته وانتماءه... في الحقيقة لديك أسلوب رائع لإصال أحداث ووقائع قمت بتغليفها بهويتك.
شكرا لك على هذه المتعة...أتمنا أنك وصلت إلى وجهتك بسلام.
رمضان كريم !
ــــــــــــــــــ
مدونة مُخْتَارَات | إضافات مميزة لمدونتك

أمال يقول...

ويظل المواطن العربي كبش فداء
مضت السنوات والحال هو الحال
ربما تشرق الشمس من الجديد
وضعت يدك على الجرح يا لطيفة

سلامي لك

مدونة مفيـد يقول...

... فلا يوجد أثقل من تلك -الحقائب- التي يحملها العربي في نفسه

حقائب الخزي و العار

إلى متى؟


سلامي

مغربية يقول...

هكذا هي حياتنا
مطار بأسياد وعبيد
والكل ينتظر دوره كي يطير نحو .....

Ayoub Mabrouk يقول...

bonjour Latifa vraiment je suis fière de voir une marocaine qui blog comme ça, tes écrit son formidable bonne continuation je vous invite également à visiter mon blog
http://ayoubmabroouk.blogspot.com/

أبو حسام الدين يقول...

عمتِ مساءً لطيفة.
لقد تركت تدوينتك في نفسي أثرا، وأحسست بكل حرف منها، وتأملت كل موقف سردته بأسلوبك الجميل.
لا أجد هنا إلا نوعا من الحسرة على واقع أُلزمْنا أن نعيشه أو حتى السماع عنه، والاستهزاء من عقليات للأسف لها تفكير الذباب.

رمضان كريم، وصيام مبرور.

مدونة صفوان يقول...

جد رائع شكرا على مشاركتك لنا بهذه التدوينة الخلابة

غير معرف يقول...

ثقافة الهزيمة .. مغامرات البقرة الضاحكة

ما قصة لوسي أرتين؟
ـ لوسي أرتين كانت علي علاقة بالرئيس مبارك والعلاقة بدأت عن طريق زكريا عزمي وجمال عبدالعزيز، و كان فيه رجل أعمال مشهور بيحب يعرف مبارك علي فتيات من دول شرق أوروبا وحسين سالم كان متولي دول غرب أوروبا.

هل قصر الرئاسة كان يدار بهذه الطريقة؟
- القصر كان يدار بالسفالة والأسافين والنقار والقمار والنسوان وقلة الأدب ودا كل اللي كان شغلهم ومصلحة البلد بعدين .

هي سوزان كانت بتحس بالغلط اللي كان بيعمله الرئيس؟
- هي كانت مقهورة من اللي بتشوفه والنسوان داخلة طالعة قدامها واللي جايين من أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية ومش قادرة تتكلم وبتبكي علي طول بسبب اللي بتشوفه وأحيانا كنت بأصبرها وأقولها مصر مافيهاش غير سيدة أولي واحدة، بس بعدها قرر الرئيس أن ينقل جلساته الخاصة في شرم الشيخ وبرج العرب

ھل تزوج علیھا؟
-لا ھو مش محتاج یتجوز .. البركة في زكریا عزمي وجمال عبدالعزیز. …باقى المقال ضمن مجموعة مقالات ثقافة الهزيمة ( بقلم غريب المنسى ) بالرابط التالى

www.ouregypt.us

وجع البنفسج يقول...

هذا هو نصيبنا ، هذه هي اللعنة التي تطاردنا أينما ذهبنا ..

"""
حبيت امر واقولك كل عام وانت بخير ، ينعاد عليك بالخير واليمن والبركات.

Dr.Yousef A. Haq يقول...

تحياتي لطيفة

نعيش جميعا تحت قهر ثلاثي مركب، الامبريالية، طغيان حكامنا،وقمع العقل من ذاتناأدى ذلك إلى الصورة المأساوية التي جسدها حرفك بابداع واتقان،
يبق السؤال كيف الخلاص
أظن أن البدء لا بد أن يكون من وقف قمع العقل،

لك التقدير والحب

منال بركات يقول...

مقال رائع جدا، صوّرت من خلاله تلك المعاناة والتي أصبحت بالنسبة لكل واحد فينا حقيبة سفر حبلى بالمأساة حتى وإن كنا لا ننوي أبدا ذلك السفر
الحق حقنا والدار دارنا ولكن لكل أسف هذا هو حالنا ضعف يقابله قوة وإذا استمرت هذه الفكرة لدينا فإننا أبدا لن ننتصر

رائع جدا ما كتبت
شكرا لك

الاحلام يقول...

رائع لطيفه ما يخط قلمك وما يخرج من افكارك تحياتى الخالصه ابوداود

غير معرف يقول...

المطار حياة مصغرة بفترة زمنية محدودة، لكنها بالتأكيد تجربة ثرية حملت وتحمل الكثير.

شكرا سيدتي.
http://traveller4past.blogspot.com/

محمد ملوك يقول...

سرقوا وما زالوا يسرقون
وما تركوا لنا إلا ما ذكرت من حقائب ملغومة ومهمومة
بالتوفيق والسداد
تحيتي ومودتي

برامج سوفت وير يقول...

حقا لك مدونة اعجبتني تقبلي مروري على مدونتك و انا في انتظار زيارتك لمدونتي برامج سوفت وير

Hind يقول...

I agree with your in a point but its not just Philisten , we are Amazigh and we feel the same in north Africa our own land. There is no such thing
as Arab world. People must reread history

http://thealternativearabwoman.blogspot.com/

sarah saad يقول...

شركة نقل عفش بالرياض وجدة والدمام والخبر والجبيل اولقطيف والاحساء والرياض وجدة ومكة المدينة المنورة والخرج والطائف وخميس مشيط وبجدة افضل شركة نقل عفش بجدة نعرضها مجموعة الفا لنقل العفش بمكة والخرج والقصيم والطائف وتبوك وخميس مشيط ونجران وجيزان وبريدة والمدينة المنورة وينبع افضل شركات نقل الاثاث بالجبيل والطائف وخميس مشيط وبريدة وعنيزو وابها ونجران المدينة وينبع تبوك والقصيم الخرج حفر الباطن والظهران
شركة نقل عفش بجدة
شركة نقل عفش بالمدينة المنورة
شركة نقل اثاث بالرياض

إرسال تعليق