.

أئمة السلطان


سنة الحقائق بامتياز .. كان ويكيليكس سباقا في كشف المستور لكن الثورة بدورها نزعت الغطاء عن فساد متجذر و أظهرت  بشاعة الأنظمة العربية و تعلقها بالحكم و لو كان ذلك بإبادة شعب بأكمله، شعب لا يملك سوى الكفاح من أجل استرجاع حريته و حقوقه .

لكن في الحقيقة هي لم تكشف عورة الحكام فقط بل عن كل من كان يزعم خدمة المصلحة العامة، و الأجدر أنه كان يخدم مصلحته الشخصية فقط ، وهنا أتوقف طويلا للحديث عن رجال الدين و علاقتهم بالثورة التي فضحت صمتهم أمام الأحداث الدامية التي تشهدها منطقة الربيع العربي.
بالأمس اختلقنا لهم أعذارا وبررنا صمتهم، وادعينا أنهم مراقبون من طرف أجهزة الدولة، وإن كانت ادعاءاتنا واهية وتفتقد للموضوعية فلا رقيب غيره سبحانه. 
أما وقد انهارت الأنظمة الفاسدة و فقدت تلك الأجهزة السيطرة و صارت الشرعية شرعية المواطن، ما عادت هناك تبريرات للصمت المطلق، و حان الوقت ليحددوا موقفا ثابتا تجاه الأوضاع الراهنة ، فتارة يزعمون أن الثوار مجرد متمردين و عصاة يؤججون فتنة مصدرها الخارج، وهدفها زعزعة استقرار البلد، و تارة أخرى يعتبرونهم شهداء قدموا أرواحهم لاستئصال الظلم و الطغيان، وهنا نتساءل عن دورهم في المجتمع و مدى تأثيرهم عليه ؟ 
ككل جمعة تستقطب مساجدنا آلاف أبناء الأمة لتضم أهم تجمع يأتيه الكل طوعا، هذا المكان الذي إن شاء خطباؤه جعلوه منبرا لإلقاء كلمة الحق لا منبر الحزب الحاكم و لا منبرا نزرع من خلاله الرعب و اليأس من هذه الدنيا، فكان أول الحديث عن عذاب القبر و أخره عذاب جهنم، فتتحول معظم الخطب إلى عذاب في هذه الدنيا قبل الآخرة ! ليزداد المواطن إحباطا على ما كان عليه. ثم إني لا أتساءل في أي نفاق هم! يشيدون بالحق و الصدق و ما إن ظهر لهم الحق ألبسوه ثوب الباطل، و طبقوا دكتاتورية الرأي على كل من يخالفهم، و كأن الله لم يخلقنا أحرارا ! و كأنهم خلقوا ليكونوا أوصياء على خلق الله !

و إن كانت المساجد بيوت الله و المنار للهدى في الأرض و مكان العبادات اليومية و الحوارات الفكرية و مأوى الفقراء، و محكمة للعدل الإلاهي، فيها يقام الحق و يشع المعروف و يبطل الباطل، إلا أنها في زمننا هذا أصبحت متحالفة مع الصمت و عند كل آذان فتوى تحلل و تحرم ما يحرمه و يحلله الحاكم . 

 ولعل أنجع الحلول لهذه الظاهرة الخطيرة هو إعادة تأهيل الأئمة و رجال الدين، و ليس كل من حفظ حديثاً أو حديثين يخطب و يفتي في شؤون الأمة، فلا نهضة بدون صلاح أفكار رجال الدين وهم أولى أن يقتدى بهم ، بل و بيدهم العصى السحرية التي تفرق و تجمع أفراد الأمة.
أتساءل لماذا وزارات الشؤون و الأوقاف الإسلامية غافلة عن أهمية تهييئ أئمتها بينما وزارات التعليم لا تقبل إلا بالشهادات العليا للتدريس في الجامعات !
ثم إن فكرة التجديد في الخطبة لن يكون بلا منفعة و التجديد هنا لا يعني التخلي عن المحتوى الديني، بل إدماجه و مواكبة متطلبات  الأمة الثقافية الحضارية  الاجتماعية و السياسية، ثم إن  تجديد الأسلوب الذي بات رجعيا و تقليديا لا يؤثر على الصغار فكيف بالكبار؟ و إن كان للموهبة هنا دور فعال و مهم،  حيث أن المخاطب الموهوب و الحاضر الذهن و الوعي سيكون أكثر تأثيرا على الناس من ذلك الذي يتلعثم كلما قلب صفحة وريقاته التي لا تفارقها عيناه و كأنه يقرأ درسا إنشائيا أرغم عليه. 

إننا نشهد أياما تبعث الأمل في النفوس، و إن كان الحاضر دمويا فإن المستقبل لن يكون إلا ورديا، و المستقبل هنا يصنع اليد في اليد تصديا للظلم و الفساد و ليست اليد الواحدة تصفق إن لم تشاركها أيادي رجال الدين و المثقفين و السياسيين.. فكم أستغرب عندما ترفع أصوات الثوار في الساحات متسائلين أين أصوات رجال الدين رغم كثرة العمامات المنتشرة ! 
رغم كل هذا تبقى هناك نخبة من الذين يؤدون الأمانة على أكمل وجه فكانوا لنا قدوة نتبعها كلما كثرت الآراء و انقطعت السبل، ونحن لهم شاكرون و لهم من الله رحمة في الدار الآخرة  .
.

16 التعليقات:

غير معرف يقول...

ائمة البلاط ضرورة كونية في دولة البلاط وخير مثال ما حدث مؤخرا من تخصيص خطب الجمعة لحث الشعب على التصويت بنعم للدستور ..وها هم يحصدون بتحسين وضعيتهم وزيادة في رواتبهم

سلام
مينتو

مغربية يقول...

:)
كل شيء له سبب
حتى المستوى الذي يظهر به بعض أئمتنا وسكوت وزارة الأقاف عن الأمر له سبب.
لكن هناك دوما طفرة
وفي مغربتنا أئمة كثر يستطيعون التأثير دونما الحاجة للعودة للبلاط :)
سلاموووو

أبو حسام الدين يقول...

أختي لطيفة موضوعك مهم جدا، خاصة وأننا نرى علماء كثيرون ولكنهم خانعون، متقاعسون عن قول الحق، علماء بلاط.. خطباء هزلت خطبهم، الواقع في واد وكلامهم في واد.. وطبعا هذا مقصود.

غير أنه لي تحفظ من كلمة وردت في موضوعك وهي "رجال الدين" نحن في الإسلام ليس عندنا رجال دين بل علماء الدين، نعم في المسيحية هناك رجال دين يتولون أمر الدين حتى من مسألة الاعتراف وغيرها... لكن الاسلام ليس فيه كهنوت.

على الهامش:
أرى لك غيابا طويلا.

تركي الغامدي يقول...

تحياتي لشخصك الكريم ... ماتفضلت به حديث من يكترث لأمر الشعوب العربية التي اكتوت بسياط سلاطينها وبسياط أئمتها ممن يحسبون أنهم يحسنون لشعوبهم عندما يضيقون عليها ويمنحون السلاطين المساحات الكافية لممارسة مايعتقدونه من السياسة والعبث بمصائر الشعوب ومقدراتها ولايعنيهم إلا المكوث على الكراسي إلى آخر نفس من الشعب . والله المستعان .

مازن الرنتيسي ● أحلام الرنتيسي يقول...

بسم الله وبعد
نهنئكم بعيد الأضحى المبارك أعاده الله علينا وعليكم بالخير واليمن والبركة
كل عام وأنتم إلى الله أقرب

موقع المنشد مازن الرنتيسي - أبو مجاهد
صفحة أحلام الرنتيسي – هذه سبيلي

2bac يقول...

تحياتي لك

المهم رغم ان كلامي سيبدو خارج عن النص الا انني ارى ان ويكيليس رغم الفضل لها بانها حركت الشعوب العربية الا انا لا تنشر اي وتيقة سواء بالغرب او قطر ولا اعلم لمادا

الموسوعة الحرة يقول...

تحية طيبة...
اذا استقلت المؤسسة الدينية عن الدولة كانت المدافع الحقيقي عن جميع طبقات الشعب والعكس صحيح ايضا!...
التبعية المالية يؤدي الى تبعية شبه مطلقة تسلب الفرد وحريته الذاتية...
تحياتي الطيبة...

عبد الحفيظ يقول...

سمعت مأخرا لعالم مغربي قولا ان لا علم لعالم البلاط
و لا حكم لعالم الحاكم ..... اين نحن الآن ؟

Dr.Yousef A. Haq يقول...

تحياتي الفاضلة لطيفة
كوضوعك على غاية كبيرة من الأهمية المصيرية للدول العربيةوالاسلامية

وأظن أن معالجة الموضوع تحتاج من الحكم موقف واضح حازم تجاه الإفتاء الديني

لا بد من إلغاء الإقتاء من الناحية القانونية الرسمية
صحيح أن ذلك لا يمنع مفتيا من الإفتاء
ولكن حين تمنع مؤسسات الجولة من اعتماد الفتوى تتحول الفتوى بالتدريج مع الزم لإلى أحاديث للفرد أن يقبلها أو لا يقبلها
الإقتاء في ظني سبب البلاء في القديم والحديث من الأزمان
مع التقدير والحب
يوسف

فرح يقول...

موق تحفه اخر حاجه
تحياتى لكم

ام جى للحلول المتقدمة يقول...

شكرا لك مقالة رائعة
mgas.com.sa

goulha يقول...

" أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن " حديث شريف
ما أحوجنا لعلماء غير عملاء
شكرا على هذا الموضوع القيم

goulha يقول...

اقدم لكم أجمل التهاني والتبريكات بمناسبة ذكرى رأس السنة الهجرية الجديدة فعــام مــــبارك ســـــعيد ، علينا وعليكم شـهيد ، وكل عام وأنتم ونحن بألف ألف خير ،

http://xo-ox.tumblr.com/ يقول...

http://xo-ox.tumblr.com/

افلام وثائقية يقول...

تدوينة اكثر من رائعة و محتوى ثرى و مثمر

شكرا جزيلا

المطبخ المغربي يقول...

تدوينة اكثر من رائعة و محتوى ثرى و مثمر

إرسال تعليق