.

بقايا ذاكرة عالقة



أرتشف جرعة القهوة على غير عادتي،  بعدما تذوقتها ذات صباح معك بعد إصرار منك، محاولا شرح مفعولها عليك، وكأنك  ترسم إمرأة سحرتك أو وردة قبلتك ببطئ  فأحيت فيك الربيع .. لست أدري إن كنت تذوقتها بدافع الغيرة منها، أم فعلت لأسرق سحرها و أمارسه عليك كلما سكنت البعد، أمحو المسافات بين الخيال و اليقين ..
كل ما أعرفه أنها أصبحت مؤنستي بعد رحيلك،  بقيت رائحتها تدغدغ شعلة ذاكرتي، توقظ فتيل ماض أطلق فيه عنان روحي فتتراءى أمامي وجوه أعرفها وأخرى تسكنني منذ العصور الأولى.. 

أحرك قعر فنجان القهوة الذي ترسب فيه السكر، تماماً كما تسرب الماضي إلى غرفتي، مخترقا زجاج نافذتي الملون كضحكات الأطفال، أحدث ضجة علني أخرج من دوامة الذكرى الجارفة، التي أرهقت المناظر و اللحظات ، ألقي نظرة على هاتفي الذي يحمل نصف ذاكرتي، أستحظر مع كل صورة قصة، أحاول جاهدة ترجمتها فأعجز عن نقل قشعريرة اللغة إلى الحبر.. أستسلم للأمر الواقع.. أنا لست بشاعرة، أنا مجرد هاوية لحرف محمل بطفولة تكبر لتكتب و تكتب لتحيا ..تنمو في الكلمات ليكتب لي عمر عند انتهاء كل جملة .. 

حسنا، أمواج الشغف إليك لن تلفظ قصيدة هذا المساء ، ستكتفي بغرقي في عينيك، ستغسل ملامح القساوة التي يرسمها غيابك على وجهي كلما أردت أن أكون غيري و انتهكت حرماتك المقدسة.. سأعقد قران الكلمات ببعضها، لأشكل لغة لا يفهمها غير الشعراء و أنت .    

 ليكن إذا إنها ليلة يغفو فيها الوجود، فالليل وحده يهزم المقاومة .. تنطفأ الشمس فتمتد الحرائق إلى الفجر، و القمر في السماء يراقب تنفيذ حكم أهرب منه في يومي لأجده ينتظرني في حلمي .

للمرة الألف أعبر ذلك الجسر فأسمعه يقول  : 
لولاك ما عرفت الحب في هذه المدينة الصقيعية  
و ما تذوقت دفئ حروف الأبجدية 
و لا رأيت ألواني البنفسجية 
 أقر أنك كنت أسعد امرأة ذلك المساء
فدعيني أخبرك عن  سر يا حبيبتي : 

لا أحد يهرب من الحب، إنه زنزانة بلا جدران  يحرسها الشوق و الحنين إلى لحظات انسجام تام مع الحياة.  
.

الشعب يريد..


عندما يحتدم الصراع و تسكن الشاشات بالأخبار المفزعة، ما علينا سوى التعاطي لحبوب الهلوسة  علنا ننسى قليلا أو نخفف من غليان عقولنا التي لم تعد تعرف كيف تعايش الوضع الراهن .

فوضى عارمة، تسود الأقطار العربية، البعض ينظر إليها بمنظار اليأس و السلبية لينتهي به الأمر كل مساء جمعة إلى انهيار عصبي ! 
إلا أني في الحقيقة أعتبر هذه الفوضى إيجابية جدا، و إن كانت تدل على شيء فهو استيقاظ الوعي و الضمير العربي .

لم تتفق الشعوب العربية على جملة كما اتفقوا على "الشعب يريد إسقاط النظام " هذه الجملة وحدها تحمل من التفاؤل ما لم يحمله أي كتاب للتحفيز ، وبغض النظر عن النظام الإستبدادي الذي سيسقط عاجلا أم آجلا بما أن الشعب يريد ذلك .

أتوقف عند كلمة "الشعب يريد" لتبزغ هنا أول  حرية ألا و هي حرية الإرادة الدالة على أن تصرفات الشعب تنبع من إرادته الحرة بالكامل، وليست موجهة كما هو الأمر في الدول الغربية التي يتخذها البعض كدول مثالية يقتدى بها . سنأخذ كمثالٍ فرنسا، التي تعتبر نفسها دولة ديمقراطية بامتياز و على الشعوب العربية الرجعية أن تتبع خطواتها لتصل إلى ما وصلت إليه من رقي سياسي و اجتماعي، مع أني أرى العكس تماماً، بل  و سأكون أشد قسوة وأقول أنها بعد كل ما حققته من تقدم فكري، و رغم المظاهر الخادعة ، فهي دولة تتجه نحو الدكتاتورية و التطرف السياسي.

من السهل جدا أن نمنح الحرية و بعضا من الحقوق لشعب لا يملك حرية الإرادة تم  غسل عقله بوسائل الإعلام و التعليم، و بعض الأجهزة السياسية و الإجتماعية، تماماً كما كان يفعل الحزب النازي مع الشعب الألماني بتصوير عدو واحد  خارجي (اليهود، الغجر .. ) على الوطن أن يتحد ضده.. و قضية واحدة : الحفاظ على طهارة العرق العالي و هكذا تخفى كل المشاكل الإقتصادية و الإجتماعية و السياسية الحقيقة..

ربما تتساءلون ما العلاقة بين ذلك العصر و هذا ، إنها طريقة التعامل مع الشعوب، وإن اختلفت الأفعال، فالعدو الخارجي واحد، هو الذي يخفي جميع المشاكل، ولازال يخيف الشعوب الغربية، ألا وهو الإرهاب،  لتصنع منه قضية أمن دولة، و يصبح كل شيء مباحا من أجل هذه القضية المفبركة وصل حد منع المنقبات من ممارسة حياة عادية كما باقي النساء.. بهذا برهنوا للعالم أنهم يعشون ديمقراطية مزيفة .
 
ما دامت هناك أفئدة تتوق للحرية  و أرواح تضحي بنفسها لأجل غد أفضل و عقول تسأل عن حقوقها، فنحن في الطريق الصحيح و إن كان الثمن غاليا قد يكلفنا أكثر مما نتصوره ، فلا شيء يأتي من لاشيء و أبسط الأمنيات اليومية لابد من دفع ثمنها لتتحقق، فكيف لا ندفع ثمن حرية أمة بأكملها، وربما نظل على حالنا هذه سنوات عدة كما كان حال فرنسا بعد الثورة، و التي أخذت خمسين عاما لتستقر أوضاعها السياسة و الإجتماعية ..

لقد أثبتنا بهذه الفوضى أننا قادرون على تحريك الزمن، بل و نتحكم فيه، فقد انتقلنا اليوم فقط من الماضي إلى المستقبل  
 دون تخطيط مسبق، ليكون محركنا الأساسي رقي الفكر و استقلاله، 
لا داعي إذن  للتأزم و التشاؤم، فهي  مرحلة انتظرناها و انتظرها أسلافنا، مرحلة كتب عنها ألف كاتب و حلم بها مليون مواطن،  ألا و هي مرحلة التغيير التي لن تمر من دون أن تملأ  بعضا من صفحات  التاريخ .
.