.

الموت فينا والخوف فيهم..!


 في خضم هذا الكم الهائل من الأخبار والتغيرات المفاجئة التي  يشهدها عالمنا العربي، يأتي اليوم العالمي للتضامن مع نضال الشعب الفلسطيني، ليوقظ فينا شعلة تحرير فلسطين، والتي ازداد لهيبها عندما سقطت تلك الأنظمة المستبدة بشعوبها، والتي كان يستبد بها من طرف الكيان الصهيوني. 
إذا ما تابعنا عن كثب وسائل الإعلام العربي سنلاحظ أن القضية الفلسطينية ما عادت تحتل الصفحات الأولى كما كانت تفعل من قبل الربيع العربي، الشيء الذي يدفع البعض للقول أننا تناسيناها أو انشغلناعنها، وهذا ما يبدو ظاهريا. 
 
من هذا المنطلق نلاحظ أن السلطات الصهيونية تحاول استغلال الثورات العربية لصالحها، وكما يقال عندما يغيب القط ترقص الفئران، فعجلت مشاريع تهويد القدس و المسجد الأقصى  كما عزمت على تهويد جسر "باب المغاربة" المؤدِّي إلى المسجد الأقصى والتي سيتم بتنفيذها هدم حي البستان وتشريد أكثر من 400 مقدسي. كما كثفت مشاريع الاستيطان في هذه الآونة كما أمرت ببناء آلاف الوحدات الاستيطانية في الضفة الغربية عمومًا، وفي القدس المحتلة على وجه الخصوص. موازاة مع ذلك أجبرت الفلسطينيين على تنفيذ 17 عملية هدم لبيوتهم بأيدهم وأسفرت تلك العمليات عن تشريد 106 فلسطينيا، أما من نجى من عمليات الهدم الذاتي فهو يتعرض يوميا للاضطهاد من طرف المستوطنين، منها هجمات ضد القرى الفلسطينية المعزولة.. وإضرام النار في حقول المزارعين و بالأخص أشجار الزيتون، تسميم الأبار، كتابة عبارات عنصرية على الشواهد القبور والقائمة تطول كما تطول الأراضي التي يستولون عليها كل يوم .

هذا الإرهاب والترهيب ليس إلا سياسة متعمدة من الصهيونيين تعتبر عقابا سياسيا لرغبة الفلسطينيين في المصالحة بين السلطة و حركة حماس المقاومة، وهكذا يجب على كل فلسطيني أن يعيش في عداء مع أخيه الفلسطيني، أن يعيش في عزلة عن مجتمعه،  ويجرد من وطنيته وإنسانيته، ولما لا يختفي تماماً من على وجه البسيطة ! كما تعتبر تخويفا للفلسطينيين  لإجبارهم  على التخلي عن أراضيهم..تماما كما كانو يفعلون منذ الأزل، وبعدها يزعمون أن تلك الأراضي اشتروها من سكان فلسطينين، كما يزعم الغرب أيضا، وهنا أتذكر كلمة بقيت راسخة في ذهني لأستاذة التاريخ التي كانت تدرسني هنا في باريس في أيام الثانوية، عندما قالت إسرائيل لم تحتل فلسطين بل الفسطينيين هم من باعوا أراضيهم.. لست أتذكر ماذا قلته بالضبط من شدة اندفاعي أنذاك، لكني وجدت نفسي خارج الفصل الذي منعت من الرجوع إليه مدة 3 أيام !
 
 زال الإندفاع الشبابي، وتلاشى مع نضج الحياة، لكن الاندفاع والانفعال مع القضية الفلسطينية لم يزل بداخلي وبداخل كل شاب عربي يملك ولو قليلا من الغيرة على أمته وعلى القدس الشريفة التي أوصينا بها، وإن كثرت قضايانا وانشغلت أذهاننا، إلا أننا في الحقيقة وإن كنا غائبين عن فلسطين، فهي ليست غائبة علينا . 

لعل أكبر دليل على ما قلته سابقا وقع أثناء الثورة المصرية، عندما خرج مليونين مصري وارتفعت أصواتهم تهتف "للقدس رايحين شهداء بالملايين" وهذا بالضبط ما يبعث الرعب في صفوف الكيان الصهيوني أن تتخلص الشعوب العربية من الظلم و الاستبداد الداخلي لتنتقل فيما بعد، وفي خطوة منطقية إلى الظلم و الاستبداد الخارجي . كلنا يعلم أن الشعوب والمجتمعات العربية  ترى في إسرائيل عدوها الأساسي في المنطقة وخارجها، كما أنها تضع تحرير فلسطين على قمة أولوياتها الراهنة، أيضا نتذكر أن أحد الأسباب التي أطاحت ببعض الرؤساء العرب هو تعاونها مع الكيان الصهيوني،  وهو الشيء الذي بات لا يخفى على الشعوب العربية التي ترفض أي علاقات مع هذا الكيان الذي يبني جميع علاقاته السياسية والإجتماعية و الإقتصادية على خدمة  مصالحه، وكما نعلم هدفه الوحيد الإستيلاء على فلسطين كلها ولما لا الدول المجاورة أيضاً وتشريد شعوبها إن لم يكن قتلها . 

 لأجل كل هذا وتحسبا لأي حراك عربي سواء كان سياسيا أو شعبيا أو حتى عسكريا لتحرير القدس المحتلة جاءت تصريحات من قبل السلطات الإسرائيلية تبرر فيها إرادتها في تطوير أسلحتها العسكرية  ولن أتفاجأ إذ قامت إسرائيل بالهجوم على فلسطين أو إحدى الدول العربية المجاورة وذلك لخلق سياسة الإصطدام أو لاستعراض عضلاتها أمام الأنظمة الجديدة  واختبارها ورؤية مدى تفاعلها وردة فعلها أمام القضية، وثانيا لاستفزازها وإجبارها على اتخاذ مواقف معادية لها بالتالي تختلس هي صورة الضحية التي تحيطها دول معادية للسلام..


الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وزير الخارجيـة القطري صرح مؤخراً بالجامعة العربية تصريحا يلفت الإنتباه فقال" العرب لديهم القوة لردع إسرائيل وليست لديهم الإرادة لفعل ذلك " وأنا متأكدة أنه عندما تحدث عن "العرب " قصد الأنظمة التي لا إرادة لديها سوى المحافظة على كرسيها وأن "العرب" كشعوب تملك تلك الإرادة  و أنها إذا اتحدت وقررت تحرير القدس فسيكون هناك يوم للتضامن  مع اسرائيل أو يوم لإغاثة إسرائيل من أيدي الشعوب العربية ! وليس يوما للتضامن مع الشعب الفلسطيني. إن كان ذلك الشاب العربي يتقدم بخطى تابثة وصدر عار وغير مكترث و الدبابات مصوبة نحوه لتحرير البلد من الظلم فماذا سيفعل بالعدو الأكبر..يبقى الرهان الأكبر على الأنظمة الجديدة وبالأخص الأنظمة الإسلامية التي استلمت الحكم مؤخرا و التي هي منحازة إلى القضية الفلسطينية أكثر من التيارات والأحزاب الأخرى لنتساءل عن مدى تأثيرها المستقبلي على عملية السلام بالشرق الأوسط. ولعلي أختم مقالي هذا باستنتاج بريء إلى حد ما وهو أنه مهما رقصت الفئران أثناء غياب القط، فإنها لن تفلت من مخالبه حينما يعود من غيابه المزعوم، وإن  حدث وفلتت فذلك ليس إلا في أفلامهم الكرتونية التي ألفوها، لذلك فإن الأمة لن تنشغل عن قضية فلسطين، دامت قلوبنا متعلقة بالمسجد الأقصى وتشتاق إلى تحريره لسجد ركعة عيد فيه .
.