.

تحت شعار..سوريا في القلب!


نظم معهد العالم العربي بباريس يوما للتضامن مع الشعب السوري، حضره العديد من الشخصيات الثقافية والسياسية، السورية والفرنسية مثل الوزيرين السابقين جاك لانغ (رئيس المعهد) وجاك راليت، والرسام السوري علي فرزات، المصور عمار عبد ربو، ومنذر ماخوس سفير سوريا في فرنسا، والقائمة تطول..خلال هذا اللقاء أقيمت فعاليات ونشاطات فنية وفكرية وأدبية تناولت الثورة السورية بأبعاد مختلفة، كما تضمنت ندوات عن ماضي وحاضر وخصوصا مستقبل سوريا..

لن أدخل في التفاصيل التي خاضها المتحدثون كل في مجاله..وذلك لأن العالم كله يعرفها ولا يخفى على أحد عدد الأموات ولا حجم الدمار الذي ألم بسوريا خلال الأشهر الماضية..لكني وكما العادة سأكتفي برأيي المتواضع  بخصوص بعض النقاط التي وددت لو أنها كانت مختلفة! 

وفي الوقت الذي كان فيه الصحافي الفرنسي كريستوف عياد، الذي قال أنه عاد من داخل سوريا من أسبوعين يطمئن الحضور عن نسبة السلفيين الهزيلة، الموجودة بين صفوف الجيش الحر كانت سوريا تقصف  بالسكود!  وكانت "دمشق تقصف حلب"، وفي نفس الوقت الذي كانوا يتساءلون فيه عن ما بعد سقوط الأسد، وعن قدرة وعدم قدرة الشعب السوري على بناء دولة مدنية ذات مؤسسات ديموقراطية، كانت منازل حلب تسقط على ساكنيها مثلما تسقط قصور من ورق! لست أدري هل أنا متشائمة أكثر من اللازم أم أني محدودة الأفق..لكني وددت لو أنهم توقفوا عن الحديث عن سورية بعد الأسد وكل ما نشاهده يوميا هو تدمير سوريا وبقاء الأسد! خصوصا في هذه الآونة..سوريا لا تريد أن تنقضوا عليها كذئاب مفترسة بعد سقوط النظام ، إنها تريد مساعدتكم الآن وهي تحت المطرقة! يال حرقة الشعب السوري، خرج ليسقط النظام فسقطت العروبة، والأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان، والدول الصديقة، والدول المجاورة..سقط الإنسان..بقي شيء واحد لم يسقط..إنه النظام البعثي! من يدري  ربما يجب أن يسقط العالم بأسره ليسقط بشار!

أنهى هذا الأخير كلمته برسالة كتبها المصور الفرنسي أوليفيي فوازان لزوجته قبل أن يموت في حلب، تضمنت يومياته القاسية داخل الأراضي السورية المحررة، وكيف أن الجيش الحر عامله باحترام..
المهم "ترحم" الصحفي على روح ابن جلدته ونسي  كما فعل الجميع الترحم على الشهداء السوريون الأبرار. في نفس المساء أعرب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند على القنوات الفرنسية أسفه لموت المصور متناسيا هو الآخر آلاف الشهداء السوريين! على كل سوريا ما عادت تذكر إلا عندما يموت فيها أجنبي! وكما قال أحد المتحدثين عندما دخلت من سوريا سألني الناس "يبدو أن الأوضاع خفت واستقرت هناك!؟" فيجيبهم قائلا ومن قال لكم ذلك فيجيبونه "لأننا ما عدنا نسمع عن سوريا في النشرات الإخبارية" !! في الحقيقة لست متفاجئة من أسئلة جاهلة  كهذه، فالقنوات الفرنسية استبدلت الملف السوري بالملف المالي وباتت الأنظار كلها متجهة إلى هناك نحو المصلحة! وإذا حصلت معجزة وتناولت وسائل الإعلام الملف السوري سلطت الضوء على الأقليات وتناست الأكثرية الإسلامية..وكأن همهم الوحيد هو طمس كلمة إسلامي ! وحتما ستكون الكارثة أكبر وأضخم بالنسبة لهم لو انضمت سوريا إلى قائمة الدول التي أبرز ربيعها العربي إسلاميين لاطالما عمل الجميع يدا في يد على إخفائهم !  

ربما كان يلزمني حضور هذا اليوم لأفهم ماذا كان ذلك الصديق العزيز يعني بقوله:" لا تحاولي إقناعي بالعمل لأجل الثورة من داخل البلد الذي أقيم فيه ! فمهما عملت وفعلت لن يساوي ذلك مثقال ذرة ما يمكنني أن أفعله وأقدمه للثورة السورية وأنا داخل أراضيها"! 
بالطبع لست أستخف هنا بعمل من هم خارج سوريا، فدورهم مهم جدا في نجاح الثورة، مع ذلك لا يمكننا المقارنة بين هذا وذاك..كما لا يمكننا المقارنة بين رجل يخوض المعارك في قلب الحدث، في الواجهة دائما، مضحيا بكل ما لديه لأجل تحرير البلد، وكانت أقرب  الأمنيات إلى قلبه هي الاستشهاد فداء للوطن..وبين كل من كان حاضرا البارحة في بناية المعهد العربي بباريس الدافئ يعطي تصريحات للصحافة العربية عن معاناة الشعب السوري..شتان بين هذا وذاك ! وشتان بين ثائرين في قلب الثورة وثائرين -إذا صح لنا تسميتهم كذلك- خارج الثورة ! كان شعار هذا الملتقى هو "سوريا في القلب" كنت أتساءل فقط وماذا تفعل سوريا بمن تسكن قلبه ولا يحرك ساكنا لأجلها!؟ غير تصريحات وإيماءات لا تغني ولا تسمن من جوع! تماماً كما فعل ولا زال يفعل الجميع ! 
.

خزائن المشرق في باريس!



وأخيرا جاءت فرصة زيارة الجناح الإسلامي في متحف اللوفر في باريس..يعتبر هذا الجناح آخر مكاسب المتحف حيث افتتحه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند وعدد من الشخصيات وأمراء العالم العربي في شهر سبتمبر الماضي، بعد عمل دقيق دام عشر سنوات. أتذكر حينها أن الافتتاح لقي رواجا إعلاميا عربيا وفرنسيا حثني على ضرورة زيارته.


لن أكتب هنا معلومات لوجيستية ولا تاريخية عن المتحف والجناح..لأن ويكيبيديا يقوم بذلك أفضل مني، إلا أني سأنقل لكم بعضا مما اختلج ذاتي وأنا هناك .. 


أول ما يشد انتباهك في الجناح هو سقفه العجيب المبني على شكل بساط ريح عالق في السماء، ويرمز هذا البساط إلى الزي الإسلامي الذي ترتديه المرأة ..فكرة معمارية مبدعة أظنها كانت تحديا حقيقيا للمهندسين الفرنسي والإيطالي، حيث أننا لا نكاد نرى ركائز  لهذا السقف، درجة الظن أن الهواء يحمله حقا. عند المدخل  لافتة تحمل كلمة شكر للشركات المساهمة في بناء الجناح، والأمراء العرب  والملوك الذين قدموا أموالا لا يستهان بها في إنجاز هذا المشروع ومنهم الأمير الوليد ابن طلال وملك المغرب وأمير الكويت وسلطان عمان..

يضم الجناح مجموعة غنية تزيد عن 15 ألف قطعة، أضيفت إليها 3500 من الأعمال القيمة التي عرضها متحف الفنون الزخرفية المجاور، جمال لا يضاهيه جمال..تميز وإبداع لفت نظر الزائرين درجة أن الإندهاش بدى واضحا عليهم مرددين "وااااو" ...حينها وددت لو أني أخذت مكروفونا وقلت بصوت عال أرأيتم ماذا كنا نصنع  بالزجاج والفخار والنحاس والمواد الأخرى من أعمال فنية مدهشة حين كنتم أنتم لا تعرفون شيئا عن هذه المواد.. كنت أريد أن أقول أرأيتم أين كنا وأين كنتم !؟ سرعان ما وضعت حدا لتلك الثرثرة الغير المجدية، عندما فكرت في جوابهم المحتمل والمشروع..وهل رأيت أين نحن الآن وأين أنتم! أكملت زيارتي وأنا شبه صامة! 

سوريا وسوريا وسوريا وأيضا سوريا..يحتوي الجناح على كمية مذهلة من الآثار الفنية والتاريخية السورية..وبالطبع لست أنا من سيعرفكم عن جمال وروعة تلك التحف الفنية..لكني تساءلت هل تركوا شيئا لسوريا أم أنهم نهبوا كل شيء ذو قيمة هناك، وجاؤوا به إلى بلاد الإفرنج ليستقطبوا به ملايين السياح..حسمت الأمر بفكرة أن سوريا غنية جدا تاريخيا وفنيا وأن ما رأيته هنا لم يكن إلا جزءا صغيرا وأن الأعظم هناك..يا ويلي ماذا أقول!؟ لقد دمر بشار كل شيء جميل في سوريا! وهو يكاد يخربها " زنقة زنقة دار دار " كما قال شبيهه الليبي..وبعد هذه الصفعة الباردة وودت لو أن دمشق كلها كانت في متحف اللوفر وأن الفرنسيين تمكنوا من تهريب المدينة كلها من نيرونها..لعلهم يعتنون بها أفضل منا...فكرة شدتني خلقت فيّ تناقضا رهيبا..أثارنا وتحفنا وحضارتنا بدت أجمل عندهم!؟ لا سر في الموضوع كل ما هناك هو أنهم يعتنون بها أفضل منا! وخير دليل على ذلك مدننا العربية العريقة وآثارها التي غالبا ما تهملها الحكومات بل ولا تعيرها أي اهتمام ولطالما حمدت الله على أن الأندلس في اسبانيا وليست في أي دولة عربية! وإلا كنا لحقنا على صدى صرخة بني الأحمر عند خروجهم منها ولا شيء غير ذلك!  
 
 12 قرنا من تاريخ الفن الشرقي الإسلامي من المغرب إلى الهند..لعب  دورا مهما في نشأة وتطور الحضارة الغربية فنا وعلما..خصوصا وأن الفن الإسلامي ميزته اختلاف الثقافات، فالعمل الفني هندي مثلا لا يشبه بالضرورة العمل الفني الأندلسي وهكذا دواليك..هذا الفن الذي يشكل فسيفساء مبهرة بتنوعها الإبداعي.. وأكثر العقبات إبداعا وإثمارا تلك التي كان فيها التعايش يسود بيننا وبين الديانات الأخرى..ليتنا نستثمر هذا الإختلاف والتنوع في مجالات أخرى اقتصادية اجتماعية وسياسية، عوض استغلاله لإشعال الفتن بين الطوائف والدول..وطبقنا على أنفسنا مقولة "فرق تسد" والكارثة هي أننا نفرق أنفسنا ليسود الآخر!! 

ربما يتساءل البعض عن تعلقي بضرورة إنشاء متاحف في دولنا الإسلامية!؟..لأنها وبكل بساطة تساهم في توعية الشعوب، ومن فهم تاريخها لمعرفة مكامن القوة والضعف أمته، لتنطلق نحو المستقبل بخبرة لها قرون ربما تمنعها من التعثر في مسار تعثر فيه تاريخنا. لست أبكي على الأطلال..فما مات  لا طريقة لإحيائه إلا بخلق تطور وازدهار يضاهيه بل ويتفوق عليه..ولا تنقصنا العقول ولا الموارد! كل ما ينقصنا هو الإرادة والإتحاد! 
أكملت زيارتي وأنا كما العادة محملة بهم أمة وأمل خروجها منه! متجهة نحو حضارات أخرى المصرية القديمة والقبطية والغربية..ألقيت تحية سريعة على موناليزا ليوناردو  دي فينشيي سيدة اللوفر الغامضة.. سيدة تربك العالم بنظرتها ويتكدس حولها ثمانية ملايين زائر سنويا..
نجد في اللوفر كل ما يتعلق بملوك قد خلوا وحضارات اندثرت..فيه كل ما يتخيل المرء من أوان ومجوهرات وأعمال فنية وملابس وحتى شواهد قبور وقبور كانت موجودة ومنها ما يعود إلى عصر الفراعنة.. شيء واحد لم ألاحظه هنا : الكرسي! لم أرى كرسيا واحدا لحاكم قد خلا..والله أعلم أن الكراسي التي كانوا يجلسون عليها كانت ولازالت أغلى ما يملكون! وكأن المتحف يقول الكراسي زائلة، ويكفي التاريخ ما لحقه من أضرار من وراءها  حتى يحتفظ بها. 
.