.

ورود ذابلة


على شفير ذاكرتي المأججة أعبر جسور سان ميشال المكتظة، تمر أمامي وجوه ملونة يكتسيها برود معد..

أتخذ مكانا قصيا في دواخلي، أؤثث خلوتي بما يشتهي عمقي.. وللحظة أكتفي بعينيك الملونتين، وحبة البن المزهرة بين شفتيك، أكرر ذات الخطيئة كل يوم، تتمدى الروح على حروفك المشتهاة، يسكنني الفرح كلما رأيتني أتربع على عرش قصائدك أراني في تلك القصيدة عاشقة، وفي هذه كارهة، أراني هنا وهناك..

 بين الوهم والحقيقة..بين الصمت والمعنى أُكتب بماء الزهر تارة وبدمع القلب تارة أخرى ..
آمرني أن أغادرك إلى منفى أبدي ثم أُعلنني ميتة المعاني، مغيبة عن كل شيء..إلا عن جِنانك التي ينساب منها فيض آخر الليل..أتخذ عتمته سترا فتنثرني فراغا وشرودا، تقودني إلى عمق المأساة..إلى بعض من أحلامي المستحيلة.. إلى بنفسج يانع في صدري مترع بتناقضات تعبرني كقطار يجهل وجهته، أعيد تسمية الأشياء، أهبها روحا جديدة خالية من شوائب الوجود ورغم ذلك يداهمني قلق أبدي وسيل جارف من تساؤلات غامضة تكاد تمحو الرضا الذي تحمله ملامحي، كيف نحمي الكلمات من شعلة اللفظ ؟! كيف تصبح الريح خرساء عندما نعلمها الأسماء كلها..كيف ينجو صفاء المعنى من عبث المبالغة.. وكيف لي أن أعود ما كنت قبل أن تكتبني.. تنتشلني الأضواء الخافتة من نفسي، أرى الأشياء من حولي فقدت هيبتها، إلا أنها هي ذاتها في تكرار ممل يبعث على الغثيان، السماء غَيومَة تسح حنينا رماديا، تدعو لشجن خفي، وعزلة موحشة، تتدفق مني كدمعة عتيقة..
وفي مكانها المعتاد طاسة الشحاذ فارغة من كل شيء إلا من ضمائر المارة تارة، ومن شتائمهم تارة أخرى..باقات الورد في المقاهي تلقي بأفكارها إلى قاع المزهرية، تنثر من حولها رائحة صيف حالم غير مكترث بضيق المكان والزمان اللذين لا يتسعان لدفء القبلات ولا لعنفوان الصبي..في غياب العشاق يشيخ الورد ويذبل..
وتظل في النفس أسئلة ملحاحة كلما أدركها الجواب تحولت إلى هذيان مبهم غارق في يم الاستحالة.. أخطو في تعاطف منسجم بيني وبين رعشة مطر صوته نايات تتأوه، وازدواجية قمر متمرد في دمي، قابع بين عيني يستبد بهما كلما عانده بريق الشعر..وعاد إلى الطفولة لكي يطارد فراشات بلل المطر أجنحتها.. أي بوح هذا الذي يقتات بالنسيان وحفنة ذاكرة مشروخة، يستدعي من القيود بقدر ما يستدعي من التحرر..ومن الهروب بقدر ما يفعل من العودة ألأنه ثمة حياة بقدر ما هنالك موت.. أم أنني بعدما أعلنت عصيان قلبي، بت عاجزة عن ترتيب روحي المشبعة بالتناقضات..أضع الورود اليابسة في كتاب ثم أغلقه للأبد لأمضي حيث يخبأ الورد بلا خوف من غد قد ينبت فيه شوكا، حيث لا يسأل الحرف عن انحناءاته البريئة التي تلامس الروح، ولا تشقى الأنفس بمن كان يوما مصدر بهجتها.. حيث تكون الحياة بعُمري ولا يمر الزمان سريعا عندما أستريح تحت عناقيد العنب..
هناك حيث تحرسني بارقة أمل تمتد في روحي من مطلع العمر حتى مغيبه.. يتبدد المشهد الضبابي أمام البوح الذي نفخ في صدري نارا يزيد لهيبها الصمت والزمن..وما إن تفوهت بالحروف حتى انطفئ على قلبي بردا وسلاما. وما كانت لحظتي هذه سوى لحظة صفاء رمادية، تكون فيها العينان مثقلتان بالنعاس تحملك على أكف غيمة نحو غد متوهج بالألوان..إنها العودة إلى فطرة الأشياء إلى الفكرة الأولى، إلى وجود نابض بالحياة إلى فردانية الشيء..وطفولة النفس..إلى ذلك العالم الذي لا يعترف بأحكام مسبقة وأفكار معلبة تفرض على الوجود وتجعله يعاود الاختفاء في نظرتنا..وفي لحظة غير منتظرة يصبح فيها الشرود حق، تباغتك العلامات كعرس من ألوان.. تهيم ويهيم ناظريك.. تومئ لك معنىً ولا تحدده.. وكأنها تقول لولا لوعة الفراق لما عرفت الحب..ولولا دفاعك الشرس عن الحياة لما كنت استثنائيا
.