.

مغتربة سعيدة


الغربة كتاب خط فيه أهل الدين والعلم والأدب والرسم والوتر وما إلى ذلك من أصوات معروفة أو غير معروفة، تركت بَصْمتها الفردية أو الجماعية لفكرة الاغتراب. كما هو معروف الغربة بمفهومها الشامل ليست فقط غربة جسد عن وطن وإنما هي غربة الروح عن العالم المحيط بها. وبالفعل كم من مغترب يعيش في ديار الغربة ومع ذلك لا يجتاحه الشعور بالغربة والعكس صحيح، وإن بحثنا في صفحات هذا الكتاب فإننا سنجد أن مفهوم الغربة قابل لألف تعريف وتعريف، حيث أن لكل شخص تعريفه الخاص للغربة وذلك حسب ما تمليه عليه تجربته. وكل إنسان قابل للغربة في أي لحظة فالكذب مثلا غربة عن النفس والأدوار الكبيرة والصغيرة التي نتقنها كل يوم تحت رقابة المجتمع والتي قد تتنافى مع ذواتنا تعتبر أيضاً غربة، ومن هذا المنطلق قررت أن أكتب ما تعنيه لي الغربة من معانٍ متفاوتة العمق والأهمية. وبالطبع كوني مغتربة في الديار الأوروبية ربما يثقل هذا الإحساس إلا أن هذا الأمر في الواقع يكاد لا يؤثر علي مقارنة بالغربة الإنسانية  والفكرية  والزمنية التي أعيشها..
والتي تتجسد أمامي على شكل لحظات ملموسة استثنائية امتزج فيها منفى الجسد والروح قد أسردها عليكم في محاولة لتحويل الشعور إلى فكرة! 





ولعلي أبدأ من بداية هذا الشعور حيث تقول والدتي أني لم أولد في الموعد الذي كان من المقرر أن أولد فيه..عاشر ماي دقيقتين بعد الثانية ظهرا وصيحة بعد صمت مهيب دام أكثر من تسعة أشهر! ويقول الطبيب أن الأيام الزائدة التي قبعت فيها ساكنة في جوف أمي  وكأن شيئا لم يحدث لن يكون لها وقع كبير على حياتي..أو على الأقل هكذا علمته شهادته الجامعية. تردد أمي مبتسمة "ربما كانت تلك طريقتك لتعلني عداءك للعالم.." الحدث ليس له أي دلالة واقعية إلا أنه يرمز وبقوة إلى الشعور الذي تولد بداخلي بأني ولدت متأخرة، بأيام بحياة بلحظات لا تقاس بالزمن ولا بالمسافة، وحده الإحساس جدير بتحديد مدى عمق غربتي، وتوهج ثوراتي الداخلية.. 


حقيقة لا أظنه عداء بقدر ما هي مسافة فاصلة بين الروح وما يحيطها، وبكلمة أخرى اغتراب يتعمق مع التقدم في السن، وقد يتوقف هذا التعمق أثناء مرحلة معينة من العمر نستوعب فيها أن العالم ليس بتلك الرومانسية التي نظن، ونتقبل ذاك التناقض الذي يشكل الإنسان، وتناقض بين ما تعلمناه أثناء فترة مبكرة من العمر من معان سامية -أقول عنها الآن رومانسية- ومواقف بطولية، وما يشهده وعيه بعد تلك الحقبة من واقع رديء وأحيانا وحشي لا يمت  لتطلعاته ونظرته لهذا الواقع بصلة..
وحدها هذه المسافة تخلق شغف البحث في ماهية الأشياء ومنها تنهمر الأسئلة الوجودية الفلسفية..

يقول جبران خليل جبران أن "كل ما في الوجود كائن في باطنك، وكل ما في باطنك موجود في الوجود"  وقد أؤمن بهذه الفكرة التي تعتبر حبل الوريد الذي يربط الفرد بالأشياء التي حوله، ولكي يفهم المرء البحر عليه أن يفهم قطرة الماء..ولكي أفهم العالم علي أن أفهم نفسي أن أراني جزءا من منه وليس غريبة عنه ! الشيء الذي فشلت في استيعابه وتقبله، حيث أن جل ما يحيط بي لا يمثلني! ولا أظنه يمثل الإنسان، وقد أمسى من المستحيلات أن أتعرف على نقطة الماء من خلال النظر إلى بحر ملوث، يكفي أن نلاحظ أنه في زماننا هذا كل شيء ميسر ومسير لتهجير الإنسان بعيدا عن فطرته ووعيه وعمقه نحو سطحية هالكة، لن أخوض هنا حربي على مؤامرة النظام العالمي لكني أتساءل كيف يمكنني أن أستسلم لفكرة جبران وأن لا أشعر بالغربة اتجاه واقعنا..وأن أصدق أن كل ما يملأ هذا العالم من دمار "كائن في باطني"، كيف يتحول الإنسان إلى حيوان مفترس يرى في القتل ضرورة وفي الحياة عبثا.. فقد يكون في الشعور بالغربة جوابا ومبررا ووسيلة يدافع بها العقل عن نفسه وهي أن هذا العالم الذي أغترب عنه ليس أنا وإنما شيء مني! قد يرى بعضكم أنها استسلام أو حتى هروب من المواجهة لكني أرى فيها عكس كل ذلك، لأن النفس ترفض الرضوخ لقتامة الواقع فتنزوي مغتربة عنه حيث الثقة والأمل بالإنسانية لازالا يشعان رغم كل شيء.. 

قد تبدو فكرة اغتراب الروح سلبية، تدعو إلى شتات باطني إلا أنها في الحقيقة أكثر إيجابية مما نتصور وأول هذه الإيجابيات كما ذكرت هي حث النفس على البحث والتفكير، وبالنسبة لي قد تشكل ميزة الأشخاص وتحررهم، ما يعارض فكرة المجتمع المنسجم تحت سلطة الدوغما المهيمنة، وغالبا ما يكون من ننعت "بالغريب" وغريب الأطوار" في المجتمع ليس إلا المبدع الذي يفكر خارج الصندوق. ثم إني لا أحصر معنى الغربة في تعريفها البسيط "الابتعاد عن الأصل" لأنها بالنسبة لي كانت بدون شك سبب عودتي إلى الأصل وإن بدا الأمر متناقضا إلا أني ما كنت سأعرف قدر تلك الأصول -المادية والفكرية- لولا ابتعادي والشعور "بخسارة" شيء ما، هذه الكلمة التي لا يتقبلها عقل الإنسان ونادرا ما يستوعبها وتحث وبشكل غير مسبوق على البحث والعودة إلى تلك الأصول "المفقودة". ولأجل هذا وذاك أرى في الغربة الرجوع إلى كل ما يفتقده المجتمع من إنسانية، أرى فيها الرجوع إلى الذات..والله وحده يعلم كم نحن محتاجون إلى ذلك..
 بعض المفكرين يرون في الغربة ذلك المكان "الفارغ" الذي يخلو من كل دلالة تأسيسية.. والفراغ في ثقافتنا شيء سلبي، هو ما يجب محاربته بجميع طرق التسلية أو "المتعة" كما يسميها الفيلسوف الفرنسي باسكال بليز الذي يقول بأن الإنسان يتهرب من الفراغ حتى لا يفكر في ماهيته وأنه يخترع لنفسه ملاه سطحية ينشغل بها عما في عمقه. ولذا أرى في الغربة ذلك الفراغ المكون للذات..حيث أن تكوين ذات  ممتلئة بنفسها ليس إلا محاولة فاشلة لملئ شيء ممتلئ..

أنهي تدوينتي هذه بجملة صديق لم أفهم معناها إلا بعد حين، "أنا سعيد بكآبتي" لعلي أقول مثله أنا سعيدة بغربتي.. فإن من يراها مرضا نفسيا يجب أن يعالج منه، يجهل كيف يحول البذرة إلى وردة.  


.