.

إليكِ..أندلسِي!

فقط في مدنك يا أندلسِي يستسلم الحاضر للماضي..وينمو الجمال على أهداب الصيرورة..
 وتتداخل أزقتك في قلبي كما تتداخل في بعضها البعض، وترتفع أبواب استثنائية، تندفع منها هيبة الغابة وغموض القصور، رؤيتها دعوة لجسها وجسها دعوة لمعانقتها إذ أن اليد وحدها لا تكفي  للإفصاح عن أسرارها، وهي التي تحمل على عاتقها تاريخ النخلة والتراب، لابد من الروح والقلب ليكشفا عن خباياها ويمسحا وحشتها الأزلية، ودمعة لازالت عالقة على جذوعها اللامرئية..أهي دمعتي أم دمعتها؟ أم أنها لنا نحن الاثنتين..إذا امتزجت الدمعة اختلط الشقاء، ولابد أن تكون هذه الأبواب مثلي، بل هي مثلي منبتها أعجمي  وملامحها عربية منقوشة بأحرف من حسرة يسري صوتها في دمي..ينبهني أن الطبيعة تهب الروح للأشياء، لكنها لا تهبها إلا لمن تذوق طعم المعاناة..  

وما الأمكنة لولا الأبواب!؟ لتحدد معالمها وتفصل ظاهرها عن باطنها، وتكتم ما أودعتها الأيام من أسرار العبد وسيده والمرء وعشيقه، وما الأندلس لولا أبوابها المزركشة، المقوسة، المنتصبة بين مد القرون وجزرها.. تقف في وجه الريح إذاعاثت وتداعبعا إذا لاَنت تأتي وتذهبُ مثل موجة تَتَحسس أثر البحر، والسفن التي اغتربت ولم تعد..

كيف لي أندلسِي أن أبلغ ذاكرتك؟ أآتيك من الأبواب كما آتاك اليوسبين والكلتز والفنيقيون والرومان والقوطيون والعرب والبربر؟ أأقبل من حيث أدبر أجدادي..من أبوابك التي أشرعت نفسها للعدو، كمومس تترنح لأول من يلمس يدها لتهبه مفاتيحها.. وإذا وُطئت الأبوابُ سَلمت البيوت زواياها..أم من أبوابك المحملة بهمين هم الانتصار وهم الاندثار..ومن أين أبلغ أروقة الروح أفي غرناطة أم إشبيلية أم قرطبة أم شاطبة..ما أكثر أسماءك وما أشقاني بها، من أين المدخل وكل أبوابك مخرج وأنا التي مثل من قال فيك يا أندلسِي" أنَّى اتّكأتُ انكسرتُ"*، وأنَّى انعطفتُ انقصفتُ!  

ألمسها فيمتلئ صدري بطقطقة الصنوبر والبلوط البري، ورائحة النارنج المستلقية أشجاره على عتبات القلب، أهي القوة أم الهوان الذي ألهم صناع تلك الأبواب على تركها بعدما أفنوا حياتهم في منحها هيئة جديرة بالحياة..سقط التاريخ شهيدا في آخر معارك الأندلس وحملت الأبواب سره ووزره، كأرملة باذخة الجمال خانها الموت.. لماذا لم نأخذ أبواب غرناطة السبعة، ليتحرر ويعم الخواء بعدنا، و نحمل الزهراء والحمراء والألكزار كما حملنا فخار جحيمنا ثم نستبدل النخيل بالرياح، والبرتقال بشهقة عالقة، ألم تتسع السفن لجنة العريف ووردها، وحي البيازين كيف لم يغدو سرابا بعدما هجره الحمام.. لماذا لم نجرجر نهر كوادا الكبير معنا إلى البحر.. كان علينا أن نحمل ذاكرتنا على أكتافنا ونمضي إلى سماوات النسيان، وأن نمحو أحرف "لا غالب إلا الله"، أن نعيد أسماءنا التي سميناها حتى لا تتعرض لنا في المنعطفات وتتحرش بقلوبنا التي هدها الحنين وأضناها الشوق إليكِ..ولكي نتجنب ما أنا فيه من أسر ووله كان علينا أن نسقط كل تفاصيلك يا أندلسِي فكل صغيرة فيك أندلس بذاتها! 


        
* للشاعر اللبناني شوقي بزيع. 

.